عند منعطف أي أزمة غذاء يواجهها العالم، تتجه الأنظار العربية إلى السودان، وتنبري الأقلام، وتفرد المساحات، للحديث عن سلة الغذاء العربية المهملة، التي لا يتذكرها احد في غالبية الأوقات إلا بشكل موسمي، لا ترقى إلى ترجمة مقولة سلة الغذاء إلى واقع فعلي يمكن ان يحصن المنطقة العربية من مخاطر الجوع التي تلف باركان الأرض الأربعة، في ظل الكوارث الطبيعية المتكررة من فيضانات وتصحر وما إليها من أشكال تهدد حياة البشر في قوتهم اليومي.

السودان حقيقة لا قولا يشكل بما حباه الله من ثروات طبيعية،ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وفرة في مياه الأنهار وأهمها النيل بفرعيه الرئيسيين، ما يتخطى السلة في مفهومها المجازي، إلى ما هو اكبر من حيث استعداده، اذا توفرت له الإمكانات المادية، لتحقيق حلم الاكتفاء الذاتي العربي من الغذاء، اذا كان العرب جادين في سعيهم لاستغلال ثرواتهم على أسس اقتصادية، بعيدة عن خلط الاقتصادي بالسياسي.

فقد أتيحت لي الفرصة لان ازور السودان لمدة تقارب الأسبوعين، جلت خلالها على العديد من المناطق الزراعية والصناعية المرتبطة بما تنتجه الأرض من محاصيل وثمار، وهالني الكم الشاسع من الأراضي التي تقدر بملايين الأفدنة، التي لا تزال بكرا، تبحث عن الأموال والسواعد التي تفجر ما بباطنها من خيرات يمكن ان تطعم عشرات الملايين من الأفواه، التي تشكو نقصا في غذائها اليومي على امتداد رقعة الأرض العربية.

في جنوب الخرطوم وعلى مساحة تصل إلى مليوني فدان يمتد مشروع الجزيرة الزراعي الذي يعتمد على نظام في الري لا يحتاج سوى بضع قنوات تمثل شرايين لمد كل تلك المساحة بالمياه التي تنساب إلى الأرض بأقل مجهود ممكن، لكن تبقى الحقول في حاجة ماسة إلى الآلات المتطورة القادرة على جمع المحاصيل في الوقت المناسب، قبل ان تتبدد تحت لهيب الشمس المحرقة.

ومن الجزيرة إلى كنانة حيث تمتد زراعة قصب السكر على مساحة تفوق المئة ألف فدان، تمثل الوقود اليومي لمصنع السكر الشهير، الذي اعتبره البعض قبل ان يشهد النور باستثمارات سودانية وعربية في نهاية السبعينات من القرن الماضي بمثابة الفيل الأبيض الذي يصعب وجوده، لكن هذا الفيل ظهر في ارض السودان على كل حال.

الحديث عن الامكانات الهائلة التي يسبح فيها السودان لا تقف عند الأرض الزراعية، ولا الثروات الحيوانية التي تقدر بعشرات الملايين من رؤوس الماشية المختلفة، بل تتخطاها إلى ما هو دفين الأرض من ثروات نفطية وتعدينية، غير ان عدم الاستقرار السياسي الذي يعانيه السودان قد يلعب دوراً سلبياً في نظر البعض، وبما يحول دون الاستفادة من كل تلك الثروات، غير ان السودانيين لهم رأي آخر يقول ان الترويج لعدم الاستقرار مقصود من القوى التي لا تريد لبلدهم خيرا، ويطالبون أشقاءهم العرب بعدم الالتفات كثيراً لمثل تلك الدعايات، خاصة وأنهم يبذلون الجهد ليل نهار، لتوفير المناخ الملائم للاستثمار، بما يجعل السودان ساحة مهمة للتكامل العربي، على مستوى صناعة الغذاء على الأقل.