تعد نتائج الانتخابات اللبنانية أول ثمار خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما، فقبله كانت استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم المعارضة وأنها مرشحة للفوز، وذلك على الرغم من التدخلات والضغوط العربية والغربية التي أخذت أشكالاً عدة منها الكشف عن خلية حزب الله في مصر، وزيارة كل من هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية ثم جو بايدن نائب الرئيس الأميركي.
وكان لخطاب أوباما مفعول السحر، خاصة على الأصوات المتأرجحة. ففي خطابه تجاهل أي ذكر لحزب الله، في إشارة إلى ثبات الموقف الأميركي المعادي له، على خلاف ما فعل تجاه حماس مثلاً، كما تحدث عن الموارنة، وعن الانقسام بين السنة والشيعة. وهذا الحديث يمس لبنان مباشرة، خاصة وأن الأرض فيها تشهد فعلاً مثل هذا الانقسام، فحديث أوباما غذى الطائفية في وقت شديد الحساسة، ضمن جملة التدخلات الخارجية.
ولم يكن بعيداً عن ذلك، الهجوم العنيف الذي شنه أوباما على إيران ممثلاً في انتقاد سياسات وتصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد من دون تسميته. فهذا الهجوم، في ظل ما يقال عن الارتباط بين حزب الله وإيران، لعب دوراً في التأثير المباشر على أمزجة المصوتين، خاصة مع امتداحه دول المعسكر العربي السني.
ذات اللعبة الانتخابية حرص عليها الرئيس باراك أوباما في خطابه تجاه إيران التي تشهد بدورها انتخابات رئاسية حامية، طرفيها الأساسيين أحمدي نجاد ومير حسين موسوي. الأول معروف بمواقفه المتشددة من الولايات المتحدة وإسرائيل، والثاني ينتمي إلى معسكر الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي صاحب دعوة حوار الحضارات بين الإسلام والغرب، تلك التي تلتقي معها دعوة أوباما لفتح صفحة جديدة أيضاً بين الغرب والولايات المتحدة وبين الإسلام.
وليس من المبالغة القول ان من مصلحة الولايات المتحدة والغرب كله إسقاط أحمدي نجاد، لذا استهدفه أوباما في خطابه، فوصف إنكاره للمحرقة بأنه ينم عن جهل وكراهية، واعتبر تهديداته بتدمير إسرائيل ظالمة وتمنع حلول السلام في المنطقة. وقد أورد هذه الجانب من الخطاب ضمن حديثه عن الصراع بين العرب وإسرائيل، حرصاً منه على ألا يتهم صراحة بالتأثير على الانتخابات الإيرانية، إن هو ضمنها في سياق حديثه عن الخلاف مع إيران حول المشروع النووي، فذلك قد يعزز موقف نجاد.
وكانت ذات الانتقادات قد وجهت إلى نجاد من جانب خصمه حسين مير موسوي، في مناظرة بينهما قبل أن يتحدث بها أوباما، مما يعني أن بعض قطاعات الرأي العام في إيران تعتقد أن تصريحات نجاد ضد إسرائيل أثرت سلباً على مصالح بلدهم، ومن هنا جاءت انتقادات أوباما لتعزز هذا الاعتقاد، حيث لم يكتف بذلك، وإنما سعى لإضفاء مصداقية عليها بزيارة معسكر بوخنفالد الألماني في اليوم التالي للخطاب.
من المؤكد ان توقيت زيارة أوباما قد درس بعناية، واستهدف إحداث هذه التأثيرات المباشرة إلى جانب الهدف الأكبر وهو تحسين صورة أميركا. ومن غير شك فان الرئيس الأميركي نجح في بعض مساعيه نسبياً، لكن غارة إسرائيلية واحدة على قطاع غزة أو على لبنان أو سوريا (التي غابت تماماً عن خطابه) ستنسف كل حديثه العذب الشجي، وبدلاً من اعتباره (أوباما المنتظر) كما وصفه الكاتب فهمي هويدي، فسوف يصبح مثل «فارس» يقاتل بسيف من خشب.