لبنان.. حتى في ظل نكباته وأزماته التي عانى منها على مدى ربع قرن.. دائما هو البلد المستثنى والفريد والمتميز بين بلدان الشرق الأوسط. من غيره من الدول العربية بنيانه ديمقراطي حقيقي وليس مجرد ديكور. ومن غيره لا تهمش فيه طائفة دينية أو فئة عقائدية أيا كانت. ومن غيره من بلدان المواجهة مع الكيان العبري عانى من مذابح وجرائم حرب ارتكبها الصهاينة على مدار ثلاثة عقود. بل ومن العواصم العربية تعرضت للاجتياح والدمار غير بيروت الجميلة.
صحيح أن كل دول المواجهة خاضت حروبا مع إسرائيل، ولكن لبنان وحده الذي ذاق الأمرّين من عدوان إسرائيل المتكرر على أرضه وآخرها عدوان 2006 الذي خرجت منه القوات الإسرائيلية منكسة الرؤوس بعد أن لقنتها المقاومة اللبنانية درسا لا تنساه. هذه المقاومة الباسلة أهانت جيش إسرائيل الذي لا يقهر. يكفي أن نقول إنه بفضل أبطال لبنان لم يكن أمام السفاح إيهود باراك سوى أن يأمر قواته عام 2000 بالانسحاب في جنح الظلام من الجنوب. فوق كل ذلك، هذا البلد العربي المميز غير قابل على الإطلاق للتقسيم رغم محاولات أعدائه، لا تزيد مساحته على 26 ألف كيلو متر مربع..
وعلى هذه المساحة الضيقة يحتضن فوق ربوعه الجميلة 18 طائفة دينية، تشمل 12 جماعة مسيحية من كل المذاهب وخمس إسلامية على رأسها السنة والشيعة والدروز، مضافا إليهم أيضا طائفة يهودية. ورغم ذلك لم يتمزق ويتفتت كما شاء له الدخلاء من الذين حاولوا مرارا وتكرارا العبث بأمنه. بل انه بوضعه السياسي الراهن، يبدو للعيان وكأنه قد ذابت فيه طوائفه اجتماعيا حتى ولو كانت الطوائف مرقمة ومصنفة سياسيا وديمغرافيا خلال الانتخابات أو تشكيل الحكومات أو المجلس النيابي.
صحيح أن البرلمان الذي يضم 128 مقعدا موزعة حسب حصص ثابتة بين عشرة من أصل 18 طائفة مع الاحتفاظ بمقعد للأقليات، ويخصص نصف المقاعد للمسيحيين بطوائفهم المختلفة والنصف الآخر للمسلمين سنة وشيعة ودروز وعلويين.. إلا أن الطوائف المسيحية ـ على سبيل المثال - مصنفة سياسيا وموزعة بين طرفي الصراع السياسي ( الموالاة والمعارضة). في الموالاة موارنة وفي المعارضة موارنة. مسلمون هنا ومسلمون هناك. والأكثر من ذلك وهذا غير متوافر في أي بلد عربي وإسلامي، يوجد في العائلة اللبنانية الواحدة مسيحيون ومسلمون يحملون لقب أسرة وجد واحد.
هكذا لبنان.. وطن لكل الأديان والطوائف والأطياف السياسية من اليمين إلى اليسار. في ظل هذه التركيبة العقائدية، يحمل كل أبنائه بلا استثناء شعارا سياسيا يقوله الفائز في الانتخابات، ويسعد به المهزوم إذا خسر المعركة النيابية. «لا أحد يخسر في لبنان ولا غالب فيه ولا مغلوب» هذا هو الشعار المتحضر. ردده سعد الحريري الذي جاءت كتلته على قمة الفائزين. قال إن الفائز الوحيد هو الديمقراطية ولبنان. وزاد على ذلك «علينا أن نمد الأيدي لبعضنا البعض ونشبك الهمم للعمل جميعا بجدية من أجل لبنان».
ومن جانبه، تقبل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله نتيجة الانتخابات بروح رياضية، مشيرا إلى أن الفريق الذي أصبح غالبية يحتفظ بحق تقرير كيفية التعاطي مع المرحلة المقبلة. واعتبر رئيس المجلس النيابي نبيه بري ( معارضة) ان لبنان انتصر على رهانات الفوضى والفتنة، داعيا إلى تعزيز الوحدة الوطنية بين اللبنانيين بعد إعلان فوز الأكثرية. لو استقامت الأمور في لبنان وتشكلت حكومة وطنية تضم جميع الفرقاء ورفع الدخلاء أياديهم، لعاد لبنان جنة الشرق الأوسط بلا منازع
