انتخابات البرلمان الأوروبي، التي جرت قبل أيام، كانت محطة فارقة؛ ولو أنها لم تسفر عن تغيير وازن في معادلته العامة. يستوقف فيها، ما انطوت عليه من مدلولات ومؤشرات تتعدّى هذه المؤسسة؛ لتطول الاتحاد من أساسه، كمشروع وصيغة. لاسيما وأنه قد سبقتها علامات وتعبيرات، تندرج في السياق هذا نفسه. وكأن الأوروبيون يتوقفون قليلاً أو ربما يزمعون التوقف، لإعادة النظر في تجربتهم الفذة؛ التي كانت، منذ بدايتها، محطّ أنظار العالم. فالاعتقاد السائد، بأن الصرح الاتحادي الأوروبي متين واجتاز اختبار الزمن بنجاح؛ ربما يكون مبالغاً فيه. على الأقل هذا ما توحي به التطورات، منذ طرح الدستور الاتحادي على التصويت عام 2005 وحتى هذا الانتخابات، مروراً بالأزمة المالية العالمية.
على غير عادة، تميزت هذه الانتخابات باثنين: مشاركة ضعيفة لا سابق لها. وصعود الأحزاب الشعبوية المتطرفة، المعادية لأوروبا الموحدة. لأول مرة، منذ قيام البرلمان الأوروبي قبل ثلاثين سنة؛ بقي معدل الإقبال على التصويت أقل من 43%. كما لأول مرة تفوز رموز اليمين الشوفيني ـ البعض تساءل ما إذا كان اليمين الفاشي ـ، بمقاعد من حصة بلدان وازنة؛ مثل هولندا وبريطانيا والنمسا وغيرها. صحيح أن عدد الفائزين منهم محدود. لكن دخولهم في هذه اللحظة إلى البرلمان له دلالته السلبية، من حيث انه مؤشر على بوادر انكفاء، قد يربك عملية استكمال البناء الاتحادي؛ إذا لم يؤد بالنهاية إلى دحره.
صحيح أن الأزمة الاقتصادية، كان لها دورها في ذلك. العزوف الواسع عن المشاركة، كما التصويت لليمين الانعزالي؛ جاء، في جانب كبير منه، كرد فعل على فشل الاتحاد في التصدي للأزمة، بسياسة فعالة موحدة. لكن في جانب آخر، جاء كرفض لشعار «أوروبا بلا حدود» الذي سمح لليد العاملة بالعبور من بلد إلى آخر والمضاربة على القوة العاملة المحلية. رفض لركن جوهري في مفهوم الاتحاد. ونزعة الانطواء هذه، كشفتها الأزمة ـ من خلال الانتخابات ـ ليس فقط على مستوى القاعدة، بل أيضاً على مستوى القيادة. منذ انفجارها، اعتمدت البلدان الأوروبية، خاصة الغنية، سياسة الحماية الذاتية. كل بلد وضع مصالحه الوطنية، أولاً. المعالجة الجماعية، كانت وبقيت مفقودة. سواء في ما خص سياسة التحفيز، أو مدى الدور الحكومي في عملية التعويم والإنقاذ للمؤسسات المالية. أو بخصوص تقديم الدعم من الدول الغنية إلى الدول الشرقية الأفقر. الأولويات المحلية كانت، عملياً، متقدمة على الأولويات الاتحادية. لم يكن ذلك نتيجة للأزمة. لكن هذه الأخيرة، وضعت هذا التضارب تحت المجهر. ثمة رخاوة كامنة في ثنايا الجسم الاتحادي. بخلافه، كان المفترض أن يزداد تماسك أعضائه، في وقت الشدة. لا العكس. صحيح أن حالة التحفظ والنفور من الاتحاد، التي كشفت عنها الانتخابات، مرتبطة بالهزة التي أحدثتها الأزمة العاتية. بيد أن هناك إشارات سابقة، من هذا النوع، تصب في نفس المجرى. عام 2005 رفضت فرنسا، أم فكرة الاتحاد، دستور هذا الأخير. بعد أشهر، تبعتها هولندا. على الأثر توقف عرضه على الاستفتاء.
الانتخابات كشفت عن أعطاب، حرّكتها الأزمة. وزير خارجية ألمانيا السابق، يوشكا فيشر، يقول ان أوروبا «تعيش لحظة أزمة قاسية». الاتحاد، تحت الاختبار. انجازاته مهمة ومفتوحة على المزيد. بناؤه متماسك وليس هشاًّ. لكن بعض الشقوق بدأت تظهر في جدرانه. تفاقمها يوجه ضربة لتجربة فريدة، كما لعملية التطور باتجاه بناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.
