في مثل هذا اليوم من عام 1971، استيقظ الأميركيون من نومهم ليعيشوا مع كابوس الهزيمة في فيتنام. فقد نشرت صحيفة النيويورك تايمز في ذلك اليوم وثائق الحرب، أو ما عرف وقتها بأوراق البنتاغون. وهي تقرير حكومي أميركي سري للغاية من 7 آلاف صفحة عما يجري بالفعل في حرب فيتنام. قبل نشر الأوراق كان الأميركيون في معظمهم مخدوعين لا يعلمون خفايا الحرب وحقيقة ما يفعله جنودهم وما يحدث لهم على الأرض الفيتنامية.

أصيب الأميركيون وقتها بالذعر، وأصيبت معهم الإدارة الأميركية بالصدمة لأن أسرارها باتت في أيدي الصحافة الأميركية. هذه الأسرار سربها موظف مدني في وزارة الدفاع كان يعارض التورط الأميركي في حرب فيتنام واستطاع أن يستولي على هذه الأوراق، ويدعى «دانييل إلسبيرغ».

كانت الأوراق جزءاً من مراجعة رسمية واسعة النطاق جرى إعدادها سنة 1967 واحتوت على معلومات سرية تتعلق بالنشاطات العسكرية الجارية في جنوب شرقي آسيا. عرضت هذه الوثائق أفكار مُخططي السياسة وكذلك أخطاء التقدير التي قادت إلى الالتزام العسكري الأميركي المتزايد خلال إدارة الرئيس ليندون جونسون. وعلى الرغم من أن رئيساً جديداً كان يجلس حينئذ في البيت الأبيض وهو الرئيس ريتشارد نيكسون، إلا أنه عارض نشر هذه الأوراق على أساس أنها قد تضر بمصالح الأمن القومي.

بدأت نيويورك تايمز بنشر أوراق البنتاغون في 13 يوليو 1971، وعندما حصلت الحكومة على أمر قضائي يمنع النشر، بدأت صحيفة الواشنطن بوست نشر نسختها من الأوراق. وبعد أن تقدمت الحكومة إلى المحكمة لوقف الواشنطن بوست، التقطت جريدة بوسطن غلوب العصا.

وعندما اختلفت المحاكم البدائية حول ما إذا كان يمكن فعلاً تطبيق التقييد المُسّبق للنشر، وافقت المحكمة العليا على الاستماع للقضية على أساس عاجل ومع أن القضاء كان يتعرض أحياناً للانتقاد لبطء عمله. تحرك القضاة هذه المرة بسرعة مذهلة. وقرروا النظر في القضية نهار جمعة، واستمعوا إلى الحجج في اليوم التالي واتخذوا قرارهم يوم الثلاثاء التالي بعد انقضاء 17 يوماً فقط على بداية نشر النيويورك التايمز للوثائق.

وكان مما جاء في القرار أن لا شأن للحكومة في محاولة وضع رقابة على الصحف أو منع الكشف عن ما قد يتبين على أنه معلومات مُربكة. واعتبر ثلاثة قضاة أنه لم يكن جائزاً للحكومة مطلقاً أن تحصل على الأوامر القضائية بالمنع في المحاكم البدائية كما انتقدوا تلك المحاكم لسماحها بتلك الجهود الهادفة للتقييد المُسبق.

لم تقل المحكمة إنه لا يمكن فرض التقييد المُسبق في أي حالة من الحالات (فالاستثناء الخاص بالمعلومات الحساسة بوضوح خلال الطوارئ مثل زمن الحرب ظل قائماً)، لكنه كان من الواضح أن المواد الواردة في أوراق البنتاغون لم تقع ضمن هذه الفئة.

وقال القاضي وليام دوغلاس بشأن الموافقة على الحكم في قضية نيويورك تايم، انه قد يكون لتلك الإفشاءات تأثير خطير. لكن ذلك لا يشكل أساساً للسماح بالتقييد المُسبق على الصحف.

ولم يوافق الجميع على ذلك، وأعرب الجنرال والسفير السابق للولايات المتحدة لدى فيتنام ماكسويل كلارك، عن امتعاض العديدين في الحكومة من قرار المحكمة. المقصد الرئيسي لقرار المحكمة كان في الواقع، السماح للمواطنين القيام بواجباتهم. فقد أشار القاضي دوغلاس إلى وجود نقاش قومي ذي شأن جارٍ حول الدور الأميركي في فيتنام. فكيف يمكن للمواطنين تأدية واجباتهم والمشاركة بذكاء في النقاش إن هم حرموا من معلومات مهمة؟

تكشف أسرار حرب فيتنام عن أنه في عام 1962 أدخل نظام القرية الاستراتيجية إلى فيتنام، اقتباساً من البرنامج البريطاني بمواجهة المقاومة في الملايو من 1948 إلى 1960. وفي محاولة يائسة من أجل منع جبهة التحرير الوطنية من التأثير على الفلاحين في فيتنام الجنوبية، حولت الولايات المتحدة قرى إلى معسكرات اعتقال. أقيمت جدران فاصلة وجابت دوريات مسلحة القرى.

وطبقاً للأرقام التي جمعتها الولايات المتحدة، أجبر39 بالمئة من سكان فيتنام الجنوبية على العيش في هذه القرى محددة الإقامة (4077 قرية استراتيجية أنجزت من مجموع 11182 في الخطة).

وتشير الأوراق إلى أنه كما هو متوقع فإن البرنامج كان فشلاً ذريعاً لأن الفلاحين عارضوا الحياة في معسكرات اعتقال بعيداً عن أراضي أجدادهم. كان الفلاحون يساقون بقوة من بيوتهم ويقفل عليهم داخل ما يسمى بالقرى الاستراتيجية في حين أحرقت منازلهم القديمة ومعها الكثير من ممتلكاتهم. وحسب رؤية البنتاغون فإن البرنامج فشل بسبب سوء التنفيذ وليس بسبب حقيقة ان الناس لا يحبون ان يقفل عليهم في معسكرات اعتقال وسوف يقاومون ويستمرون في المقاومة حتى تتغير الأمور.

يجب ألا نغفل عن أن ما ساعد على نشر «أوراق البنتاغون» هو قانون حرية المعلومات الصادر عام 1966 لتأكيد حق المواطنين في الحصول على وثائق ومعلومات حكومية. فمن حسن حظ النيويورك تايمز والواشنطن بوست أنهما نشرا الأوراق بعد صدور القانون بحوالي خمس سنوات. كان هذا القانون الذي حمل اسم قانون جونسون - نسبة إلى الرئيس لندون جونسون الذي وقع عليه - سنداً ودعماً لأحقية الصحافة في النشر.