عندما يتحدث الرئيس الأميركي باراك حسين أوباما، قد يُخيّل لمن يسمعه أو يشاهده أنه يتقمص شخصية مرشد روحي ومؤرخ واسع المعرفة وليس مجرد رئيس للولايات المتحدة. الكاتب البريطاني المعروف روبرت فيسك اقتنع بذلك. تحدث في صحيفة الاندبندنت عن ذكاء وبراعة أوباما، فوصفه بأنه واعظ أو مؤرخ أو مدرس أو ناقد أو فارس أو إمام أو إمبراطور.

هذه الصفات بالفعل كانت مجتمعة وواضحة في اثنين من خطب أوباما: الأول خطاب تنصيبه في العشرين من يناير الماضي، والثاني خطابه إلى العالم الإسلامي في الرابع من يونيو الجاري.

فمثلا، فور توليه السلطة تحدث عن شعبه المتعدد الأعراق، وأكد أنه يسعى خلال فترة رئاسته لإسقاط الفجوة بين الأميركيين وتحقيق المزيد من الاندماج والانصهار بينهم.. وقال بلغة المؤرخ والمفكر: «نحن أمة من المسيحيين والمسلمين واليهود والهندوس وغير المؤمنين.. تأثرنا بكل اللغات والثقافات التي جاءت من شتى بقاع الأرض.. جربنا عواقب الحرب الأهلية والانقسام وخرجنا من هذا الفصل المظلم في تاريخنا أقوى وأكثر تماسكا، ولهذا نؤمن ان الكراهية يجب ان ترحل يوما ما». ثم أضاف «مازلنا أمة شابة، تنوع جذورنا هو عنصر قوة وليس عنصر ضعف». وكمرشد لمرحلة التغيير يقول «حان الوقت لإعادة تشكيل أميركا من جديد معتمدين على الأمانة والعمل الجاد والولاء والوطنية.. ان العالم تغير وحان الوقت كي نتغير معه».

وظهرت بلاغته أيضاً في خطابه إلى العالم الإسلامي، حيث قال ان أميركا والإسلام لا يقصي احدهما الآخر ولا يحتاجان إلى التنافس، انهما يتقاسمان المبادئ نفسها، مبادئ العدالة والتقدم، التسامح والكرامة لكل البشر.

لا نبالغ إن قلنا أن أوباما هو الآن مرشد الثورة الأميركية الجديدة التي تفجرت يوم انتخابه. والثورة التي نقصدها هي اختيار الشعب الأميركي له كأول رئيس أسود. وهو أمر لم يكن يخيل لأحد داخل أو خارج الولايات المتحدة أن يتحقق. حتى الزعيم الأميركي الأسود مارتن لوثر كينغ.. لم يكن يدور في خلده قبل نصف قرن أن زنجيا سيصل إلى سدة الحكم في أميركا. أقصى ما كان يحلم به كينغ ـ كما قال خلال مسيرته الشعبية التاريخية عام 1963 ـ أن يعيش أطفاله الأربعة يوما ما في أمة لا يكون فيها الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم. ومع ذلك فلولا مارتن لوثر كينغ ما كان أوباما ليصبح رئيسا لأميركا صاحبة الوجه العنصري حتى ستينات القرن العشرين.

أوباما المرشد الذي بأفكاره يرقى عند المعجبين به إلى مرتبة الزعماء التاريخيين.. يتمتع حتى الآن وإلى حد كبير بمصداقية في أحاديثه وفي تطبيق بعض سياساته، تستثنى من هذه المصداقية تعامله مع قضايا الشرق الأوسط لأنها حتى الآن مجرد كلام في كلام.. بل انه بعد ان انتقد بحدة إسرائيل خلال خطابه في القاهرة لرفضها وقف الاستيطان، سعى بعد 24 ساعة إلى التهدئة مع الدولة العبرية قائلا انه يتفهم المشاكل التي تعاني منها إسرائيل والتي تحول دون تمكنها من الالتزام بتنفيذ خارطة الطريق.

عموما.. إذا ما قورن بسلفه، غير المأسوف عليه، جورج بوش، فإن أوباما سياسي مهذب عف اللسان، حريص على تحسين سمعة بلاده التي لطخها المحافظون الجدد. يريد حسب قوله أن تكون الولايات المتحدة صديقة للجميع من أصغر قرية إلى أكبر دولة في العالم. وما يسعد الجميع وعلى رأسهم من يحكمون بلادهم بالحديد والنار أنه يقول إنه لا يميل إلى إطلاق توصيفات على الحكام، ويقول: «لا يمكننا فرض قيمنا على الآخرين». ولا يعني ذلك أنه لا يريد أن يذكّر النظم الاستبدادية بطغيانها، بل يحذرها بأسلوب مهذب قائلا، إن سيادة القانون والديمقراطية وحرية التعبير والديانة «قيم عالمية»، ومن يصلون إلى السلطة بالخداع والفساد وقمع المعارضين يجب أن يعلموا أنهم يسلكون طريقا خاطئا».

ما يهمنا في أمر أوباما أنه ـ كما قالت صحيفة الغارديان البريطانية ـ نقل الخطاب السياسي للشرق الأوسط إلى القرن الحادي والعشرين، بعدما كان جورج بوش قد أعاده إلى القرون الوسطى والحملات الصليبية وأساليب رعاة البقر

حسن صابر