إزاء الاهتمام الكبير الذي لقيه خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما من جامعة القاهرة الخميس قبل الماضي، لم تحظ محادثاته التي أجراها خلال الزيارة بالكثير من التفصيل إلى الحد الذي يمكن معه اعتبارها محادثات بروتوكولية استلزمتها دواعي الضيافة.
وقد يجد ذلك الأمر منطقيته في ضوء حقيقة أن الزيارة أصلا استهدفت توجيه خطاب للعالم الإسلامي حسبما أعلنت واشنطن رسميا وليس إجراء محادثات، الأمر الذي يشير إليه أنه كان من المقرر أن يقوم الرئيس المصري حسني مبارك بزيارة لواشنطن قبل نحو أسبوع من زيارة أوباما للقاهرة وهى الزيارة التي تم إلغاؤها نظرا لوفاة حفيده، ما يفيد ضمنا أن المحادثات الحقيقية كان مزمعا إجراؤها في الولايات المتحدة وليس القاهرة. فضلا عن ذلك فإنه مما يشير إلى أولوية الخطاب على ما عداه إلقاء أوباما له بدون حضور الرئيس المصري وكذا عدم إشارته بالذكر للمضيف، ما عني أن القاهرة، لاعتبارات عديدة، ليست سوى المنصة الأكثر مناسبة لتوجيه الخطاب.
فضلا عما سبق فإن متابعة ما تم الكشف عنه بخصوص ما جرى خلال المحادثات التي أجراها أوباما في السعودية تشير إلى أن الطابع الذي سيطر عليها هو الطابع الإحتفائي، الأمر الذي انعكس في عملية ثناء وإشادات متبادلة تركز على التأكيد على عمق العلاقات بين البلدين. وإن كان يمكن القول إن زيارة أوباما للرياض كانت توفر فرصة أفضل لإجراء محادثات عملية باعتبار خلو برنامج الزيارة من أية ترتيبات تتجاوز اللقاء المباشر، على حين أن برنامج الرئيس الأميركي في القاهرة كان حافلا بشكل لا يتيح فرصة لإجراء محادثات معمقة مع الرئيس مبارك.
برنامج محادثات سريع
وعلى ذلك يمكن استيعاب أن عاهل الحرمين التقى اوباما على نطاقات مختلفة موسعة وضيقة وثنائية وقد استغرقت هذه الأخيرة نحو الساعتين ونصف الساعة، فيما لم يسمح نشاط أوباما في القاهرة سوى بلقاء نحو عشرين دقيقة مع الرئيس مبارك.
رغم كل ما سبق إلا أنه لا يعني بأي حال من الأحوال عدم أهمية ما جرى خلال المحادثات سواء في الرياض أم القاهرة حيث تحظى ملفات العلاقات سواء الثنائية (القاهرة ـ واشنطن، الرياض ـ واشنطن) أم الإقليمية بالعديد من القضايا التي تتطلب النقاش المستفيض بشأنها خاصة أن لقاء أوباما بمبارك كان يعد الأول من نوعه وإن لم يكن كذلك بالنسبة للعاهل السعودي، حيث التقيا على هامش فعاليات دولية أخرى من قبل، رغم حقيقة أن زيارة الرئيس الأميركي للرياض قد تكون مما استلزمته تطورات الأشياء فيما بعد الإعلان عن اعتزامه إلقاء خطابه من القاهرة.
فبعيدا عن الآراء التي تذهب إلى أن إضافة المملكة السعودية ضمن الزيارة يعكس صراع الزعامة بين الرياض والقاهرة، إلا أنه يبدو أنه كان من البديهي إدراج أوباما للمملكة ضمن زيارته لاعتبارات عديدة أشار هو نفسه، لبعضها ومنها أنها تعد «مهد الإسلام» وهو ما يعني ضرورة عدم تغافلها في أجواء صاخبة تتعلق بخطاب يوجه للعالم الإسلامي. ومن هنا يمكن فهم إشارة أوباما إلى أنه «جاء إلى المملكة لاستشارة خادم الحرمين قبل توجيه خطابه إلى العالم الإسلامي من القاهرة».
فضلا عن ذلك فإن زيارة الدولتين ضمن جولة واحدة وخصهما بهذه الجولة قد يعكس دلالة رمزية، فإذا كان أوباما قدم بهدف معلن هو الحوار من أجل المصالحة مع العالم الإسلامي، وتجاوز مرحلة عداء، فإن هذا العداء تم تدشينه في شكله الأكثر حدة إثر أحداث سبتمبر والتي كان القطاع الأكبر من منفذيها وفق الرواية الأميركية من السعوديين وبعض المصريين، ففيما كانت اليد المنفذة سعودية، كان العقل المفكر مصري، الأمر الذي أطلق عاصفة أميركية على الدولتين وكان سببا في توتر محموم في العلاقات الأميركية مع مصر والسعودية على مدار حقبة بوش تقريبا.
طي مرحلة توتر
ومن هنا فإن طي صفحة هذا التوتر كانت تستلزم مثل هذه الالتفاتة الرمزية. ولعله من هنا كذلك يمكن استيعاب خروج رمزي هذا التوتر ببيانات يشجبان فيها الزيارة.. حيث راح بن لادن السعودي يندد بأوباما معتبرا أنه يواصل سياسة سلفه بوش، فيما دعا ساعده الأكبر أيمن الظواهري المصري المصريين إلى عدم الترحيب به في القاهرة. ومن هنا يمكن تصور أن المصالحة الأميركية على يد أوباما إنما استهدفت أن تنطلق من الدولتين اللتين نالهما القدر الأكبر من رذاذ العداء، بشكل تضمن معه، بفعل تأثير هاتين الدولتين، تمرير أجواء المصالحة إلى بقية العالم الإسلامي.
وبعيدا عن المصالحة والتي خصص أوباما لها خطابه بالكامل الأمر الذي عرضت الصفحتان السابقتان لقراءة نقدية موسعة له، يبقى الإشارة إلى طبيعة الملفات الشائكة في العلاقات الأميركية مع السعودية ومصر والتي كانت، بشكل أو بآخر، محور محادثات أوباما.
ملفات العلاقات الثنائية
على صعيد العلاقات الأميركية السعودية يمكن الإشارة إلى الأهمية الكبيرة التي تمثلها في السياسات الأميركية باعتراف جهات مختلفة بما فيها الجهات الرسمية على الجانبين. وعلى صعيد الملفات الخاصة ومن واقع قراءة ما نشر عما دار من محادثات وهو محدود يبدو واضحا أن أوباما كان حريصا على اكتساب تأييد موقف المملكة بشأن وضع أسعار النفط وعدم زيادته باعتبار أن ذلك يترك أثارا سلبية على الاقتصاد الأميركي خاصة في ظل الأزمة المالية التي يواجهها والتي تضعه في غياهب المجهول.
كما يبدو أن الزيارة استهدفت تقديم دفعة للإصلاحات التي يقوم بها النظام السعودي بفعل توجهات خادم الحرمين، وهى الإصلاحات التي تلقى تأييدا أميركيا ومنها تعزيز وضع المرأة وغير ذلك من قضايا أشار إليها أوباما في خطابه من القاهرة. وفي ذلك الصدد تشير بعض وسائل الإعلام الأميركية إلى أن الملك عبد الله يقود ما وصفته بثورة إصلاحية في بلاده ومن ذلك تعيين نورة الفايز نائبة لوزير التربية والتعليم وهو أول منصب عال لامرأة في تاريخ المملكة.
أما على الصعيد المصري، فإن ملف علاقاتها مع الولايات المتحدة يعكس قدرا من التوافق، حيث أن توجهات مصر على صعيد مختلف القضايا تلقى تأييدا أميركيا، باستثناء قضية الحريات السياسية وهى القضية التي حرص النظام المصري على تفويت فرصة أن تترك تأثيرها السلبي على زيارة أوباما فكان قرار الإفراج الصحي عن أيمن نور زعيم حزب الغد وإسقاط تهمة الإساءة لسمعة مصر الموجهة لسعد الدين إبراهيم. فضلا عن ذلك فإن تأكيد أوباما على توجه إدارته الجديد بعدم التدخل لفرض الديمقراطية بالقوة على غرار ما كانت تعلنه إدارة بوش، يلقى بدون شك ارتياحا من النظام المصري وغيره من الأنظمة العربية التي تنظر له باعتباره تخليا عن سياسة تغيير الأنظمة بالقوة.
ويؤكد هذا الطرح وصول مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية إلى القاهرة بعد يومين من خطاب أوباما لبدء جولة جديدة من الحوار الإستراتيجي الذي اتفق على تفعيله مع مجئ الإدارة الأميركية الجديدة، وهو ما يشير إلى تبني واشنطن لهجة أكثر براجماتية في علاقاتها الخارجية خاصة مع دول المنطقة، لا تنطلق من توجهات ومبادئ جامدة ثابتة على غرار إدارة بوش.
القضايا الإقليمية
يتبقى بعد ذلك.. القضايا التي تعكس ملفات مشتركة في علاقات واشنطن مع الرياض والقاهرة وهي المتمثلة في القضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني. بالنسبة للقضية الأولى يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أنه رغم ما قد يبدو من لهجة حازمة من اوباما تجاه إسرائيل، إلا أن القراءة الدقيقة للموقف لا تعكس تغيرا في الموقف الأميركي بقدر ما تعكس تغيرا في الموقف الإسرائيلي، حيث أن أوباما في تأكيده على إنشاء دولة فلسطينية أو حل الدولتين يمثل استمرارية مع مواقف إدارة سلفه بوش، وقد يكون موقفه «الحازم» تجاه إسرائيل طبيعيا في سياق أنه يأتي ردا على تخل إسرائيلي عن التزامات سابقة قدمتها حكومتها. ولعل جديد أوباما في هذا الخصوص هو تأكيده على «فرض حل الدولتين».
وإذا كان أوباما قد تناول، حسبما أعلن، مع الملك عبد الله ومبارك سبل السير قدما في عملية السلام، فإن التخوف الرئيسي في هذا المجال هو محاولة الولايات المتحدة توسيع نطاق المبادرة العربية للسلام لتشمل ليس فقط الدول العربية وإنما الدول الإسلامية كذلك، رغم أن إسرائيل لم تقدم حتى الآن أي شئ للتلاقي مع هذه المبادرة وهو ما قد يكون بمثابة انتزاع لتنازل مجاني جديد يتم تقديمه لإسرائيل. وهو تخوف ينبغي ألا نتوقع تقويضه سوى بموقف عربي قوي، الأمر الذي أصبح بمثابة رهان صعب في ظل ظروف التشرذم التي نعيشها.
وإذا كانت بعض المصادر الأميركية حاولت الترويج لأن أوباما قد حدد مدى زمنيا لتحقيق الالتزامات المطلوبة في موضوع السلام، فإن الجهد العربي يجب أن يتجه إلى ضمان ألا يكون هذا المدى على شاكلة ذلك الذي قدمه بوش من قبل، وألا يكون على حساب الحقوق العربية حيث لم يعد هناك ما يمكن التنازل عنه مجددا، ما يتطلب التمسك بالمطالب العربية وعدم التفريط بأي منها ممثلة في دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة تكون عاصمتها القدس، مع ضمان عودة اللاجئين. ومن هنا فإنه بعيدا عن أجواء الخلاف أو الاتفاق حول حقيقة المصالحة التي يسعى إليها أوباما، فإن المحك الحقيقي لنوايا الرئيس الأميركي هي القضية الفلسطينية التي تمثل أساس أزمة العلاقات العربية الأميركية وأحد أسباب التوتر وعدم الود إن لم يكن الكراهية من الشعوب الإسلامية للولايات المتحدة.
إشارات متناقضة
أما على صعيد الملف النووي الإيراني، ورغم غرابة ألا يكون هذا الملف مجالا للجدل على طاولات عربية فيبدو أن واشنطن حتى الآن، تقدم إشارات متناقضة. وعلى صعيد هذه القضية أشارت بعض المصادر إلى أن أوباما استهدف من جولته استكشاف إمكانيات بناء تحالف يضم البلدان الإسلامية المعتدلة للضغط على إيران لوقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم وضمان اقتصار نشاطها النووي على الأبعاد السلمية.
وبعيدا عما جرى خلال محادثات أوباما، فإن الخوف أن يستخدم هذا الملف كفزاعة لتحقيق إبتزاز أميركي للدول العربية، حيث أن السيناريو المطروح والذي يتم الترويج له في هذا الصدد هو استعداد الولايات المتحدة منح إيران دور إقليمي مقابل إقناعها بالتخلي عن الشق العسكري من ملفها النووي، الأمر الذي يثير حفيظة عربية خاصة من قبل الرياض والقاهرة باعتبار ذلك يزيد من مساحة الدور الذي تلعبه إيران في المنطقة، خاصة في ظل الحساسيات المفرطة تجاه مواقف طهران من القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا المتشابكة في المنطقة.
وعلى ذلك فإنه مع كل الترحيب بيد المصالحة التي يقدمها أوباما وضرورة العمل على التلاقي معها، إلا أن الحذر يجب أن يكون هو أساس التعاطي مع هذه الدعوة، حيث أن الخشية أن تكون مجرد محاولة لتجاوز أزمة تمر بها الولايات المتحدة بفعل سياسات إدارة سابقة اتسمت بالحماقة مما أساء بشكل بالغ للقوة والصورة الأميركية في العالم، ما يتطلب نهجا مغايرا كتكتيك وليس تعبيرا عن تغير إستراتيجي.. الأمر الذي يبقى حسمه مرتبطا بما ستؤول إليه تطورات الموقف الإقليمي خلال حكم أوباما.
كتب ـ المحرر السياسي

