في الوقت الذي فضل الرئيس الأميركي جورج بوش التواري عن الأنظار والاكتفاء بملاحقة روث الحيوانات، والقيام بالمهام المنزلية التي توكلها إليه زوجته، فإن نائبه ريتشارد بروس تشيني، المعروف باسم ديك تشيني، لايزال يعيش وسط أحلام اليمين بإمبراطورية أميركية، تسيطر على العالم، وتجعل من أميركا صاحبة القول الفصل في كل شيء.

تشيني، الذي اعتبر بعض الأميركيين ان مهنة متعهد دفن الموتى هي الأكثر اتساقا مع شخصيته، على سبيل المزاح، يحارب الآن آخر معارك المحافظين الجدد، الذين تلقوا هزيمة نكراء على يد الديمقراطيين سواء في الكونغرس أو البيت الأبيض الذي يعتلي عرشه الآن باراك اوباما.

فقد مثل تشيني رأس حربة للجمهوريين الغارقين في مشكلات ما بعد الهزيمة في الانتخابات الرئاسية حتى الآن، ليوجه الانتقادات إلى اوباما، والدفاع عن سياسات الإدارة الأميركية السابقة التي كان تشيني مهندسها الأول، ما جلب على أميركا المشكلات في الداخل والخارج.

وفي الأسابيع الأخيرة، خرج تشيني ليصب جام غضبه على خطط اوباما لإغلاق معتقل غوانتانامو، واصفا تلك الخطوة بأنها ستجعل أميركا اقل أمنا، الأمر الذي دفع وزير الخارجية الأسبق (الجمهوري) كولن باول ـ الذي يؤيد موقف اوباما ـ إلى القول إن تشيني لا يعارض بذلك سياسة الرئيس أوباما فقط، بل إنه يعارض سياسة الرئيس بوش كذلك، مشيرا إلى ان بوش «أكد مرارا وتكرارا لمواطنيه وللمشاهدين في العالم أجمع أنه يرغب في إغلاق معتقل غوانتانامو ولكن الفرصة لم تسنح له».

وفي المعركة ذاتها دافع تشيني عن عمليات التعذيب التي استخدمتها الاستخبارات الأميركية مع المعتقلين (الأعداء) في غوانتانامو، أو تلك التي لجأت إليها القوات الأميركية في العراق، متجاهلا الرائحة القذرة التي فاحت من سجن أبو غريب.

والواقع ان تشيني بمهاجمته الإدارة الأميركية الجديدة، ودفاعه عن سياسات بوش، انما يخوض حرب دفاع عن سياساته، وطموحاته الإمبراطورية، باعتباره أهم عناصر اليمين الأميركي المحافظ، الذي يصعب عليه، ان يرى تلك الطموحات، والأحلام الإمبراطورية، تتبدد أمام عينيه، بعد أن جلبت الكوارث على أميركا.

كما ان دفاع وهجوم تشيني، يعبران في جانب منهما، عن الجدل الدائر داخل الحزب الجمهوري الذي يسعى إلى لم شعث الهزائم الانتخابية المتوالية، وانحسار التأييد لسياساته التي أدخلت الولايات المتحدة متاهة الأزمات الكبرى، سواء الأمنية منها أو السياسية وحتى الاقتصادية.

فقد كان تشيني احد المسؤولين الرئيسيين عن تدهور الحزب الجمهوري، وبالتالي يريد بهجومه على الإدارة الجديدة الهروب إلى الأمام، في مواجهة سيل الانتقادات التي تلقتها السياسات التي كان مسؤولا عنها داخل حزبه، ولم تكن المناوشات الجانبية التي خاضها مع كولن باول، إلا في السياق ذاته، بعد ان شكك تشيني في ولاء باول للحزب، إثر تأييد اوباما في العلن، في مواجهة المرشح الجمهوري للرئاسة جون ماكين.

على كل فإن تشيني المعروف عنه العناد، يبدو انه يفضل الدفاع عن معتقداته حتى الرمق الأخير، حتى وان انفض من حوله أكثر المتحمسين لها، وهو شيء يحمد للرجل في زمن قل فيه من يثبت على مبادئه.