«لقد قررنا إسكات السلاح، لقد وصلت المعركة إلى نهايتها المريرة» بهذا القرار لرئيس العلاقات الدبلوماسية في تنظيم حركة النمور التاميل، يسدل الستار على أطول صراع آسيوي تواصل لأكثر من ثلاثة عقود وألقى بظلاله على مسيرة الأوضاع في سريلانكا وأتى على الأخضر واليابس هناك، وهو ما يفسر مظاهر الفرح التي عمت شوارع العاصمة كولومبو.

ويدعو ذلك التطور إلى التساؤل حول أبعاد نجاح الحكومة في القضاء على حركة تمرد أو تحرير ـ حسب الوجهة التي تنظر منها للصراع ـ وتلك التي أدت إلى فشل الحركة رغم الضراوة التي واجهت بها خصمها على مدى أكثر من 26 سنة حيث بدأ الصراع عام 1983 بين أقلية التاميل التي تسعى لتأسيس وطن قومي لها في بلد غالبية سكانه من السنهال وبين القوات الحكومية .

هنا نشير إلى ضعف الاهتمام العربي بالعديد من القضايا العالمية التي قد تماثل بشكل أو بآخر العديد ما يجري على أرضنا العربية، مع الاختلاف في بعض التفاصيل، على النحو الذي يمكن لنا معه الاستفادة من مجريات ما يجري في العالم المحيط بنا. وهنا نشير إلى أن متابعة تفاصيل ما يجرى في سريلانكا على مدى الفترة الماضية يشبه من بعض النواحي ما يجري على صعيد السودان وما يواجهه من حركات تمرد، الأمر الذي يتطلب إجراء ما يمكن اعتباره دراسة مقارنة حال الرغبة في التعاطي بشكل أكثر استفادة مع ما جرى في سريلانكا.

القضاء على نمور التاميل

فبعد معارك محتدمة تواصلت على مدى الشهور القليلة الماضية بدت مؤشرات انتصار القوات السريلانكية على نمور التاميل تتواصل وهو ما بدا في نجاح القوات في تضييق الخناق على عناصر التاميل وإسقاط مواقعهم الواحد تلو الآخر.

بدأ ذلك باستيلاء الجيش على قاعدة بحرية معروفة لمتمردي التاميل في شمال شرق البلاد وهي قاعدة تشالاي الأمر الذي عزز من قدرة القوات الحكومية في السيطرة على المنطقة الساحلية. وبسقوط هذه القاعدة انحصر النمور التاميل في مولايتيفو المعقل الأخير بشبه جزيرة جافنا ما باتوا معه محاصرين في منطقة ضيقة لا تتعدى مساحتها 300 كيلومتر.

في مواجهة هذه الهجمة العسكرية لم تجد الحكومة مجالا لقبول دعوة نمور التاميل إلى إعلان هدنة دائمة باعتبار ذلك السبيل لوقف الحرب الأهلية في البلاد من خلال وقف دائم لإطلاق النار بإشراف دولي تتلوه مفاوضات. وعلى ذلك فإنه بمقتل زعيم الحركة فيلوفيلاي برابهاكاران انهارت عناصرها لتطوى بذلك صفحة من الصراع المتواصل مع الحكومة المركزية.

قضية المدنيين

من بين الجوانب المهمة التي احتلت قدرا كبيرا من الاهتمام في مسار قضية الصراع بين الحكومة ونمور التاميل تلك الخاصة بالمدنيين نظرا لوجود 250 ألف شخص مدني محاصرين في مناطق المعارك وهو ما أدى إلى مصرع الكثير من المدنيين قدروا بنحو 300 مدني فضلا عن جرح آلف آخرين. ومن هنا كان تعبير العديد من المنظمات الدولية عن قلقها على وضع المدنيين وبينهم عشرات الألوف من الأطفال.

واستهدفت المساعي الدولية تأمين المدنيين العالقين وتوفير ممر آمن يتيح نقل المزيد من المصابين الذين في حاجة ماسة للعلاج. الأمر الذي كاد يتسبب في أزمة لسريلانكا مع عدد الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا جراء رفض القوات الحكومية وقف إطلاق النار للسماح للمدنيين بمغادرة منطقة الصراع.

وعلى خلفية هذه القضية تثار العديد من التساؤلات بشأن ضحايا الصراع الأمر الذي يذكرنا بما جرى في السودان، مع اختلاف التفاصيل، فقد تصاعدت دعوات عديدة لمحاكمة الرئيس السريلانكي وإحالته إلى محكمة دولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وهي التهمة التي استخف بها الريس راجباكسا في كلمة ألقاها في حشد من المواطنين رغم أن ضحايا الصراع ككل يقدر بزهاء 80 ألف شخص راحوا ضحية الحرب الأهلية، ورغم تأكيدات الأمم المتحدة أن نحو سبعة آلاف مدني قتلوا منذ شهر يناير الماضي وجرح نحو 13 ألفا آخرين في عمليات القتال الأمر الذي تشكك فيه الحكومة السريلانكية.

فيما دعا جون هولمز المنسق العام للشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة إلى عدم الاستخفاف بالادعاءات وبدء تحقيق طالما هناك شكوك يجب التأكد منها. هذا فضلا عن دعوة منظمات تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان منها العفو الدولية إلى إجراء تحقيق لمعرفة حقيقة ما يجري. الأمر الذي واجهته سريلانكا بحزم مستنكرة كافة الدعوات لإجراء تحقيق مستقل في المزاعم حول خرق القوانين الإنسانية من قبل الجيش السريلانكي.

أبعاد الانتصار

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الجديد الذي انتهى بالجيش السريلانكي إلى القضاء على التمرد؟ تتيح قراءة الأبعاد المختلفة لتطورات الصراع في سريلانكا خاصة في فصله الأخير إلى أن انحسار التأييد الدولي للحركة الانفصالية أدى إلى تجفيف منابع قوتها التسليحية أو المادية. وقد جاء ذلك بشكل خاص على خلفية دمغ الحركة بالإرهاب الأمر الذي نجحت الحكومة السريلانكية في استغلاله بشكل كبير باعتبار أن العصر الذي نعيشه هو عصر مواجهة الإرهاب. ويلاحظ هنا أن الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي أصبحت تطلق على الحركة تلك الصفة الأمر الذي انعكس في موقفهم منها.

غير أن الخسارة الأكبر قد تكون في موقف الهند والتي خسرت الحركة تأييدها لها وهنا يشار إلى أن رئيسة الوزراء الهندية الراحلة أنديرا غاندي كانت وراء إنشاء حركة التاميل ودعمها سياسيا وعسكريا الأمر الذي انعكس في مساندة الحكومات الحكومات الهندية المتتابعة لحقوق التاميل في سريلانكا وهو ما يرجعه البعض إلى مشاركة زعيم التاميل بقوة في إفساد الحياة السياسية للجارة الكبيرة بالضلوع في قتل راجيف غاندي الذي خلف أمه في قيادة الهند.

ويجد هذا الموقف لنيودلهي تجلياته في التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الهندي والتي راح خلالها يؤكد على أن بلاده تؤيد الحرب ضد الإرهابيين ولا تتعاطف على الإطلاق مع أي نشاط إرهابي تقوم به أي جماعة ولا سيما جماعة نمور تحرير تاميل إيلام المحظورة بالهند، مع التأكيد في الوقت ذاته على قلق نيودلهي بشأن أوضاع المدنيين والتأكيد على ضرورة حمايتهم خلال عمليات القتال التي كانت مندلعة قبل أن تضع المعارك أوزارها.

ومن الجوانب الجديرة الإشارة إليها في هذا الخصوص أن الموقف الهندي جاء جراء الصلات الوثيقة التي تربط أقلية التاميل بسريلانكا مع ستين مليون تاميلي بولاية تاميل نادو جنوب الهند والتي تضغط الأحزاب التي تمثلها على حكومة نيودلهي من أجل مساعدة تاميل سريلانكا.

آفاق المستقبل

هل يعني ذلك أن سريلانكا يمكن أن تنعم الآن بالاستقرار؟

يرتبط ذلك بطبيعة المواقف التي تتخذها الحكومة السريلانكية إثر هذه التطورات ونجاحها في إخماد وقمع حركة التمرد. فلا شك أن هناك مظالم يواجهها التاميل في سريلانكا، انعكست في قدر من التأييد الذي لقيته حركة نمور التاميل من قبل أبناء الأقلية التي تمثلها الحركة. وعلى ذلك فإن التعاطي مع هذه المظالم يمثل أول العوامل التي يمكن أن توفر مستقبلا آمنا للبلاد على طريق تجاوز أي حركات انفصالية مستقبلا.

وهنا ينبغي على الحكومة استغلال هذا التطور لتعزيز حالة الاستقرار في البلاد ووأد أي محاولة لحشد التاميل وراء الانفصال، خاصة في ظل الاتجاهات السلمية من قياديي الحركة ومن ذلك تأكيد الناطق باسم نمور التاميل على أنهم سيلجأون إلى الوسائل غير العنيفة للكفاح من أجل حقوق التاميل وأنهم يوافقون على الدخول إلى المعترك السياسي من أجل تحقيق تلك الأهداف.

وقد يؤدي الفشل في التعاطي مع الأمر على هذا النحو إلى ظهور زعيم جديد ينجح في تكوين جماعة حوله بادئا مرحلة جديدة من الكفاح من أجل تحقيق حلم إنشاء وطن لأقلية شعب التاميل في مواجهة الأغلبية السنهالية التي تسيطر على الحكم في البلاد.

ورغم محاولة الحكومة السريلانكية طمأنة الرأي العام إلا أن الأمور يبدو أنها تسير على نحو يفجر النزاع من جديد، وهو ما يمكن أن نلحظه من تناقض مواقف المسؤولين الحكوميين، حيث انه فيما صرح وزير المصالحة السريلانكي ـ تاميلي كان في السابق مسؤولا في نمور التاميل ـ بأن الحكومة مصممة على إجراء انتخابات جديدة في المناطق التي كانت مسرحا لجولات القتال الأخيرة بعد إعادة إسكان أهلها.

فإن وزير الدفاع السريلانكي رفض عرض نمور التاميل بالانخراط في العملية الديمقراطية بالبلاد عقب الهزيمة العسكرية التي لحقت بهم. وراح يعرب عن شكوكه في إمكانية دخول الجبهة العملية الديمقراطية بعد سنوات من أعمالهم العنيفة، الأمر الذي يؤكد غموض المستقبل رغم الميزة التي تحققت للحكومة بنجاحها في طي صفحة صراع تواصل لأكثر من ربع قرن.

«البيان» ـ خاص