لأنه دكتاتور ابن دكتاتور.. فلابد أن يضمن أن من يأتي بعده يكون دكتاتورا أبا عن جد. ولا يتحقق ذلك بالطبع إلا بالتوريث. هذا ما يراه الغرب في رأس كيم جونغ إيل زعيم كوريا الشمالية. لا يضمن الآن بقاء نظامه بعد أن زحف المرض إلى جسده.. إلا إذا كان نظاما مثبتا فوق أرض نووية! في الأصل .. ورث كيم ـ 67 عاما ـ الحكم عن أبيه الزعيم الكبير كيم إيل سونغ، فصار أول زعيم في العالم يعتلي السلطة بالوراثة في بلد مفترض أنه جمهوري وليس ملكيا.

(وللعلم من يومها وفكرة التوريث تداعب أنظمة جمهورية بعيدة جغرافيا عن كوريا الشمالية وتدّعي الديمقراطية!). وعلى مدى 15 عاما في حكمه.. اكتسب كيم الذي يطلق عليه رسميا اسم الزعيم الغالي وشمس القرن الجديد، خبرة ودراية وحنكة. أيقن خلالها أن قوته يستمدها من جيشه، وجيشه لكي يظل سندا لحماية نظامه العتيق الذي أسسه والده، لابد أن يكون قويا ومنيعا، خاصة وأن الأميركيين بثكناتهم واسلحتهم على بعد عشرات الأميال من حدوده.

التجربة النووية الأخيرة ومعها الصواريخ التي جرى إطلاقها ، تحقق للزعيم قصير القامة صاحب الحذاء ذي الكعب العالي، مهابة في الداخل والخارج. خارج حدود بلده قد يفسرها البعض على أنها وسيلة ضغط وورقة قوية للمساومة السياسية (هذا إذا تم إحياء المحادثات السداسية لتي تضم الكوريتين والصين واليابان وروسيا وأميركا). وقد تثير التجربة النووية، إعجاب من لا حول لهم ولا قوة من أولئك الذين يكتمون غيظهم وهم يرضخون لإرادة القطب الأوحد الذي يصول ويجول شرقا وغربا بلا رادع.

ولكنها في الحقيقة تجربة نووية تعزز من مكانة كيم في الداخل الى أبعد الحدود. والذين يتابعون الشأن الكوري الشمالي، قالوا أن التجربة لا تهدف الى تعزيز موقف بيونغيانغ في المفاوضات حول نزع اسلحتها النووية، بقدر ما تستهدف احكام قبضة كيم على السلطة داخليا بعدما ضعف موقعه. ويقول الخبير الأميركي في الشؤون الكورية ان التجربة النووية تندرج ضمن ما أسماها إستراتيجية كيم الرامية إلى توطيد الدعم لنظامه سواء في أوساط السلطة او في صفوف الشعب.

ولأنه بصحة غير جيدة ـ حسب تشخيص الاستخبارات الاميركية والكورية الجنوبية التي كشفت عن اصابته بجلطة دماغية في اغسطس الماضي تعافى منها فيما بعد ـ فانه يسعى الى أن يطرح اسم وريثه وهو في قمة لياقته كحاكم، وهذه اللياقة العالية تتمثل في جيش مُطعّم بسلاح نووي وبصواريخ بعيدة المدى. والوريث المرتقب هو ثالث أبنائه كيم غونج أون. والغرب كعادته فتح ملف الأسرة الشيوعية الحاكمة، وادّعى أن هذا الابن الذي لم يبلغ الثلاثين، أمه المتوفاة كانت راقصة محترفة يابانية المولد تدعى كو يونج هوي ولا يعرف إن كانت بالفعل تزوجت من كيم جونغ ايل أم أنها كانت عشيقته.

الوريث المرتقب، تلقى تعليمه في سويسرا ويتحدث الانجليزية والألمانية. ويقول الخبير الكوري الجنوبي بارك سيونج أن كيم الصغير يحظى بدعم جانغ سونغ تايك الرجل الثاني في البلاد. هذا الرجل هو صهر كيم جونج ايل واختاره مؤخرا للاشراف على لجنة الدفاع الوطني القوية وهو ما اعتبره مراقبون، محاولة لوضع آلية لانتقال السلطة في نهاية المطاف بحيث يقوم جانغ بدعم الزعيم المقبل.

المثير في الأمر أيضا، أن دينيس وايلدر المسؤول السابق بمجلس الامن القومي الأميركي، يزعم أن الصينيين متفهمون أن الزعيم كيم بصدد تعزيز موقف ابنه وهم يوافقون على هذا لأسباب تتعلق بضرورة الحفاظ على استقرار كوريا الشمالية، فالصين كما ترى صحيفة «واشنطن بوست»، تخشى انهيار كوريا الشمالية إذا رحل كيم فجأة، فتغرق منطقتها الشمالية الغربية في سيل من اللاجئين، كما تخشى في الوقت نفسه قيام كوريا موحدة ومزدهرة ومؤيدة للأميركيين.

حسن صابر