مرة أخرى، وبالقطع لن تكون الأخيرة، تعود أزمة النووي الكوري للتصعيد بعد التفجير النووي الذي أجرته كوريا الشمالية في الخامس والعشرين من مايو المنصرم، وما تبعه من إطلاقها لعدة صواريخ متوسطة وقريبة المدى، الأمر الذي أصاب جيرانها، وخاصة كوريا الجنوبية واليابان برعب وهلع شديدين، وعلى ما يبدو من تداعيات هذا التصعيد أن الرعب والخوف والهلع لدى الجيران الإقليميين كان هو الهدف المطلوب لدى بعض القوى الكبيرة صاحبة المصالح الحيوية والاستراتيجية في هذه المنطقة بالتحديد، وعلى رأس هذه القوى واشنطن وموسكو وبكين.
يطلقون في الغرب على كوريا الشمالية، وخاصة في واشنطن «الطفل المدلل» لدى روسيا والصين، وهذا ما بدأ واضحا مع بداية التصعيد الذي أعقب التفجير النووي الأول الذي أعلنت بيونغيانغ عن إجرائه في التاسع من أكتوبر عام 2006، حيث أعلنت روسيا والصين عن استنكارهما وإدانتهما لهذا التفجير، لكنهما في الوقت نفسه وقفتا بشدة ضد أية عقوبات مشددة ضد بيونغيانغ، وهو الموقف المتكرر دائما من موسكو وبكين مع كل تصعيد في النووي الكوري، أما العقوبات التي توافقان عليها فلا تخرج على حد قول الكثيرين عن تحصيل حاصل لما تعيشه كوريا الشمالية من حصار اقتصادي ودبلوماسي منذ سنوات مضت ولم يؤثر عليها كثيرا نظرا للدعم الاقتصادي الكبير الذي تقدمه لها الصين والباب المفتوح في بنوك روسيا للاستثمارات القادمة من كوريا الشمالية.
ويأتي التصعيد الأخير، ليعكس في رأي الكثيرين مدى صعوبة حل أزمة النووي الكوري نتيجة لتلاعب القوى العظمى بالورقة النووية الكورية، خاصة وأنه على ما يبدو أن واشنطن استوعبت قواعد اللعبة الكورية جيدا وقررت أن تلعبها هي أيضاً مع اللاعبين الكبيرين روسيا والصين، وإن كانت الأهداف لدى الطرفين والمصالح متناقضة وربما متضاربة، إلا أن الوسائل وقواعد اللعب تكاد تكون متشابهة إلى حد كبير.
مواقف هادئة
رغم خطورة التفجير النووي الذي أجرته بيونغيانغ فجر الخامس والعشرين من مايو المنصرم، والذي أتبعته بإطلاق صواريخ متوسطة وقصيرة المدى، ورغم تهديداتها الصريحة لجارتها كوريا الجنوبية إلا أن الإجراءات التي اتخذت وتصريحات المسؤولين سواء في بكين أو موسكو وحتى في واشنطن لم تأت في رأي المراقبين الدوليين في مستوى الحدث، وبدا فيها في رأي البعض تهدئة لا تتناسب مع التصعيد الكوري الحاد، فقد صرح الناطق الرسمي باسم الخارجية الصينية بعد الإعلان عن إجراء التجربة الكورية أن بلاده لن تتخلى عن التعاون مع كوريا الشمالية، وبررت الحكومة الصينية موقفها هذا بأن الصين لن تتخلى عن الشعب الكوري الصديق وأن لديها مصالح حيوية مع بيونغيانغ لا تستطيع التضحية بها.
ومن جانبها أعلنت موسكو على لسان وزير خارجيتها سيرجي لافروف أن موسكو ترفض «مبدأ العقوبات من أجل العقوبات»، وطالب سيرجي لافروف مجلس الأمن بالبحث عن سبل للعودة للمباحثات في إطار اللجنة السداسية الدولية التي تضم مع روسيا الصين والولايات المتحدة واليابان والكوريتين. وفي واشنطن أكد الرئيس الأميركي أوباما في تصريحه الوحيد على ضرورة السعي لحل المشكلة من خلال المحادثات السداسية، وحتى مندوب روسيا في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين الذي يرأس مجلس الأمن في دورته الحالية ورغم تصريحه بأن موسكو لا تعارض أي قرار بعقوبات داخل مجلس الأمن.
إلا أنه قال أن «هذا الأمر يواجه صعوبات»، والوزيرة الأميركية هيلاري كلينتون التي أكدت على التزام واشنطن بالدفاع عن اليابان وكوريا الجنوبية لم تجد ما تهدد به بيونغيانغ سوى القول بأنها لن تنال ما تحلم به من اهتمام بل ستزيد عزلتها، لكنها لم توجه أية تهديدات صريحة لها، وهذا يعني بوضوح «بقاء الحال على ما هو عليه».
موقف مجلس الأمن
مجلس الأمن، وكما هو متوقع، لم ينجح في التوصل لموقف حاسم ضد التصعيد المستمر من كوريا الشمالية، والطائرات الحربية الأميركية من طراز إف ـ 22 التي حطت في قاعدة كادينا في جزيرة أوكيناوا اليابانية الجمعة الماضية، والتي صورها الإعلام على أنها تحذير لكوريا الشمالية، ولم تنف واشنطن أو تؤكد ذلك، لم تكن كذلك ولا علاقة لها بالأحداث.
والدليل على ذلك أن هذه الطائرات الإثنى عشر أقلعت من قاعدتها في فيرجينيا الأميركية متوجهة إلى اليابان يوم الجمعة قبل إجراء بيونغيانغ لتجربتها النووية بثلاثة أيام، وكانت في طريقها في جولة استعراضية في اليابان وشرق آسيا لطرحها قريبا للبيع باعتبارها أحدث المقاتلات الأميركية، وخشية من أي توتر أو رد فعل غير محسوب من بيونغيانغ سارعت مصادر يابانية بالتأكيد على خلو هذه الطائرات من أية قذائف حية.
الموقف الأميركي
ما فعلته كوريا الشمالية في رأي المحللين أمر ربما يكون متوقعا لأنها اعتادت عليه منذ سنوات، كما اعتادت على ردود الفعل الدولية وتعلم جيدا مداها وحدودها، فقد سبق لها أن أعلنت في يناير عام 2003 عن انسحابها من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وسبق للزعيم الكوري كيم جونغ إيل أن أعلن في مايو عام 2005 عن امتلاك بلاده لصواريخ عابرة للقارات.
وأنها تسعى إلى امتلاك القنبلة النووية، ثم عادت بيونغيانغ مرة ثانية لتعلن عن انسحابها من المباحثات السداسية بشأن برنامجها النووي واستمرارها في تطوير قوتها النووية، وفي يوليو عام 2006 أجرت كوريا الشمالية تجربة إطلاق سبعة صواريخ باليستية من طراز (تايبوندنج ـ 2) معدة لحمل رؤوس نووية، وسقط إحدى هذه الصواريخ في المياه الأقليمية لليابان مما أثار ذعرا كبيرا لدى اليابانيين وباقي دول المنطقة.
ثم جاءت التجربة النووية الأولى في التاسع من أكتوبر عام 2006 لتشعل الأزمة من جديد، في الوقت الذي كانت فيه واشنطن منهمكة بشكل كبير في أزمة البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي أثار تساؤلات كثيرة بشأن توقيت هذه التجربة ؟ ومدى ارتباطها بالتصعيد بشأن النووي الإيراني ؟، وثارت الشكوك آنذاك حول دور روسيا والصين في تصعيد النووي الكوري بهدف شغل المجتمع الدولي وواشنطن عن البرنامج النووي الإيراني.
مجلة «أرجومنت نيديلي» الروسية كتبت تحلل الموقف الأميركي الهادئ بالمقارنة بموقفها المتشدد من النووي الإيراني، تقول المجلة «إن واشنطن أضاعت عام 2005 فرصة ذهبية للتخلص من الخطر النووي الكوري نهائيا عندما رفضت منح بيونغيانغ15 مليار دولار مقابل التخلي تماما عن برنامجها النووي، ورغم موافقة اليابان وكوريا الجنوبية ودول أخرى على تحمل كل هذه التكلفة إلا أن واشنطن رفضت».
وتقول المجلة «يبدو أن واشنطن ليست لديها رغبة في التخلص من اللعبة الكورية المرعبة لجيرانها لأنها ستدفعهم حتما للالتصاق أكثر بالولايات المتحدة والاعتماد عليها في حماية أمنهم، خاصة وأن النداءات تتصاعد في اليابان تطالب بإخراج القواعد العسكرية من الأراضي اليابانية». هذا في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة مشاكل كبيرة داخل حلف شمال لأطلسي مع حلفائها الأوربيين الذين ضاقوا ذرعا بنشاطات الحلف المشبوهة خارج أوروبا، وخاصة في أفغانستان ومنطقة القوقاز، وأصبحوا يطالبون بقصر نشاط الحلف على حماية أمن أوروبا وعدم استخدامه لأهداف خاصة بدولة واحدة.
كما يرفض الأوروبيون المشروع الأميركي لنشر الدرع المضاد للصواريخ داخل قارتهم، ولم تعد واشنطن تجد قبولا في أوروبا إلا من الدول الصغيرة الخارجة من المعسكر الشيوعي مثل بولندا وتشيكيا وجمهوريات البلطيق، ولم يعد أحد يصدق العداوات المصطنعة التي تصنعها واشنطن لتخويف وإرهاب الدول الأخرى حتى تهرول نحوها تطلب حمايتها، ولهذا جاءت اللعبة النووية الكورية وتهديداتها لتلقى هوى كبيرا لدى واشنطن.
روسيا والصين
الموقف الروسي ـ الصيني الداعم للنظام الكوري لا يمانع في فرض عقوبات تعلم كل من موسكو وبكين أنه لا جدوى من ورائها، لكنهما ترفضان معا تشديد هذه العقوبات بالدرجة التي تضر بمصالحهما، ويؤكد الكثير من المحللين أن كوريا الشمالية لم تكن لتجرؤ على هذا التصعيد الحاد إن لم يكن أمامها ضوء أخضر من موسكو وبكين اللذان يدعمانها عسكريا واقتصاديا، وأن روسيا والصين يستشعران الخطورة من تصميم واشنطن على التصعيد في أفغانستان، وأيضا من تحركات حلف شمال الأطلسي في القوقاز والبحر الأسود بعد المناورات المشتركة التي أجراها الحلف مع جورجيا في السادس من مايو المنصرم، والتي شكلت استفزازا كبيرا لروسيا.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف صرح أثناء زيارته للكوريتين في أواخر أبريل الماضي بأن «روسيا ترفض استغلال الوضع الكوري النووي كمبرر لإنشاء تحالفات عسكرية إقليمية أو لنشر منظومة الدفاع الأميركية المضادة للصواريخ في شرق آسيا، وخاصة في اليابان»، ولهذا لا يستبعد المحللون أن تكون موسكو وبكين وراء التصعيد الكوري الأخير.
وقد سبق أن اتهمت اليابان مباشرة روسيا والصين بالدعم المباشر لنظام كوريا الشمالية، وكتبت صحيفة «سانكاي شيمبون» اليابانية تقول إن موسكو فتحت للنظام الكوري الشمالي عشرة حسابات مصرفية في بعض بنوكها بعد قرار واشنطن بتجميد أرصدة بيونغيانغ في الخارج، كما سبق أن اتهمت واشنطن مصرف «بانكو دلتا آسيا» الصيني بأنه يجري عمليات غسيل لأموال النظام الكوري لتمويل برنامج بيونغيانغ النووي. هكذا تعكس أزمة التصعيد النووي الكوري مدى تلاقي الوسائل والسبل بين القوى العظمى رغم التناقض والتباعد الكبير في المصالح والأهداف.
