التفجير النووي الكوري الشمالي الذي جرى مؤخرا جدد اطلاق السحب السياسية فوق المنطقة العربية، بقدر ما أثر على شبه الجزيرة الكورية، لما للمنطقتين من تشابهات اقليمية وتشابكات عالمية على الصعد السياسية والعسكرية. فقد أدى النجاح الكوري إلى تنشيط الحديث عن المشروعات النووية في المنطقة وفي مقدمتها النووي الإيراني سياسيا، كما تم استحضار السلاح النووي الإسرائيلي اعلاميا في الوقت ذاته.

وهذا الربط رغم تجدده دوريا، هو وضع قائم منذ سنوات، وتحديدا منذ بدايات حكم الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، فهو الذي وضع بعضا من دول المنطقتين في سلة عدائية واحدة. هذا الربط تم رغم أنف العرب ومن دون رغبة الكوريين، اذ تم من جانب واشنطن التي طار عقلها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولم يعد إليها بعد رغم اختفاء بوش من مسرح السياسة الأميركية.

وتكشف حالة السخط والغضب الشديدين التي تتملك واشنطن من جراء التجربة الكورية، قلقا عميقا، واضطرابا عاجزا لم تعهده السياسة الدولية من أميركا، فالتجربة الكورية أصابتها بحالة من عدم الاتزان، وهو ما تعاني بعضا منه اليوم أيضاً في المنطقة العربية.

ويمكن استعراض أوجه التشابه بين مايجري في شبه الجزيرة الكورية والمنطقة العربية من حيث المكسب والخسارة على الوجه التالي:

(1) تنتظم المنطقتان العربية والكورية في استراتيجية أميركية متشابهة، فالولايات المتحدة هي من ربطت بين بعض الدول العربية وبين كوريا الشمالية في محور واحد أطلقت عليه اسم محور الشر، حسب وصف الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، ومن أجل ذلك وضعت بعض دولها ضمن قوائم الارهاب الأميركية، وعند احتلال العراق استجلبت أميركا كوريا الجنوبية واليابان عسكريا ولوجستيا لمساندتها وتقديم الدعم لها في العراق.

(2) تورط الولايات المتحدة عسكريا في المنطقتين بهدف السيطرة عليهما. وتتسم المنطقتان بالصراعات والتوترات الاقليمية والدولية الملتهبة، وتعد المنطقة العربية الأكثر انكشافا أمام الولايات المتحدة بسبب الفراغ الاستراتيجي، على خلاف الجزيرة الكورية حيث الصين وروسيا، لكن وجود قوى المقاومة العربية ممثلا في حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية عوض هذا الفراغ.

(3) تسعى الولايات المتحدة لتمرير مشروعات استراتيجية تخدم أهدافها في اطار السيطرة العسكرية والسياسية والاقتصادية، ومن أجل ذلك زرعت المنطقتين بالعديد من القواعد العسكرية. وتشترك دول من المنطقتين في مواجهة المشروعات الأميركية ومقاومتها بقوة. وقد نجحت هذه القوى في إفشال هذه المشروعات.

( 4) تعاني المنطقتان من سباق تسلح تقليدي ونووي، في ظل إزدوجية في المعايير الأميركية، وإذا كانت كوريا الشمالية قد نجحت في إنتاج سلاحها النووي قبل أكثر من عام وسط معارضة أميركية، فان إسرائيل قد بلغت هذه المرحلة منذ عقود بمساعدة أميركا ومباركة منها، لذا فمن العجيب أن تمارس الولايات المتحدة سياسة لطم الخدود بعد النجاح الكوري، في حين تحمي المشروع الإسرائيلي، وهو ما يثبت أن مواقفها وسياساتها لاتزال غارقة في وحل المعايير المزدوجة.

(5) توجد بين دول في المنطقتين حالة عداء عقائدي وتاريخي أدت إلى حروب دامية، وصلت إلى حد التلويح باستخدام السلاح النووي، وهذا ماتفعله الآن كوريا الشمالية، وسبق أن فعلته إسرائيل في حرب اكتوبر 73، كما سبق وهددت على لسان بعض ساستها علانية ومن دون مواربة بضرب مواقع عربية بالسلاح النووي منها السد العالي في مصر، وجاء ذلك على لسان العنصري الصهيوني أفيجدور ليبرمان الذي يشغل حاليا منصب وزير الخارجية في الكيان الصهيوني.

(6) ترتبط المنطقتان بعلاقات اقتصادية وعسكرية قوية، وفي الوقت الذي تستقبل فيه المنطقة العربية المنتجات الكورية الجنوبية في المجالات المدنية من ألكترونيات وسيارات ومعدات ثقيلة، فان كوريا الشمالية تعد المورد الأول للصواريخ إلى المنطقة العربية، خاصة للدول المحيطة بإسرائيل، وقد ساهمت هذه الصواريخ في بعض الحروب، بل إنها تمثل مصدر رعب دائم لإسرائيل، التي تخشى ان تتحول كوريا فيما بعد إلى تصدير المعارف والتقنيات النووية إلى المنطقة.

قائمة الخاسرين

ونظرا لهذه التداخلات، تعد الولايات المتحدة وإسرائيل معا، خاسرين من النجاح النووي الكوري الشمالي، شأنهما في ذلك شأن كوريا الجنوبية واليابان، فيما تعد الدول العربية رابحة ضمنيا. فالعداوة الأميركية الإسرائيلية لكوريا الشمالية تم الرد عليها في إطار توفير السلاح للدول العربية، فالعاصمة الكورية بيونج يانج تواجه التضييق الاقتصادي الذي تمارسه واشنطن ضدها ببيع الأسلحة إلى الدول العربية، التي تعد الأكثر انفاقا عالميا على التسلح.

وهذه المعادلة توفر للعرب مصدرا رخيصا وكفئا للسلاح. وتبلغ مبيعات كوريا الشمالية منه نحو ثلاثة مليارات دولار سنويا. ووفق عدد من التقارير تعد الدول العربية الكبرى من أهم زبائن الصواريخ الكورية. وفي هذا الجانب أيضا كانت إيران ولاتزال من أكثر الدول المستفيدة من التقنيات الصاروخية الكورية الشمالية، بل ان بعض الخبراء العسكريين يرى أن التقدم السريع الذي حققته إيران في برامجها الصاروخية يعزا إلى المساعدات السخية من كوريا. ومن ذلك أن صاروخ (شهاب-3) الذي يعد طاووس الترسانة الصاروخية الإيرانية هو نسخة مطورة من الصاروخ الكوري (تايبو دونج). واليوم تستطيع طهران ضرب أي هدف داخل إسرائيل.

وكانت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل هم أول من تحدث عن التخوفات من خروج النووي الكوري إلى ماوراء البحر الأصفر. فواشنطن هي التي اتهمت سوريا ببناء مفاعل دير الزور (المزعوم) بمساعدة كوريا الشمالية، بل انها نشرت صورا للموقع التقطت بالأقمار الصناعية، وطابقت بينها وبين صور المفاعلات الكورية. كما أن بعض الصحف اليابانية زعمت أن عددا من الخبراء النوويين والعسكريين الكوريين الشماليين قتلوا خلال الغارة التي شنتها إسرائيل في السادس من سبتمبر 2007 لتدمير المفاعل، وهو مالم يثبت صحته بعد رغم مرور أشهر. وجرت هذه الاتهامات فيما كانت إسرائيل تربط بين المفاعل السوري والبرنامج النووي الإيراني، وسط حملة دولية منظمة ضد سوريا.

وسبق للولايات المتحدة أن اتهمت سوريا بأنها استقبلت في العام 2003 مكونات من المشروع النووي العراقي قبل سقوط نظام صدام حسين، ثم ثبت فيما بعد أن العراق كان خاليا تماما من السلاح النووي كلية قبل احتلاله. وهكذا فان كل من واشنطن وإسرائيل حريصتان دوما على رفع سيف الاتهام النووي ضد دول المنطقة، بكل السبل من دون ضابط بهدف الابتزاز السياسي، وهذا ماتمارسانه اليوم مع كوريا بهدف استجداء المساندة الدولية، وهو مالم يتحقق لهما بعد.

عجز عن المواجهة

وعلى الرغم من حدة الغضب الأميركي ضد كوريا الشمالية، إلا انه يعكس حالة من الضعف والعجز الشديدين تجاه المستجدات. فالخيار العسكري لواشنطن ضد بيونج يانج يساوي صفرا عملاقا، يعكس الخيبة الأميركية المتنطعة، فلا الصين ولاروسيا سوف يسمحان للعسكرية الأميركية بالوصول إلى كوريا الشمالية. كما أن الجيش الأميركي ليس بمقدوره الدخول في حرب ثالثة، في ظل الهزائم العسكرية التي يواجهها في العراق وأفغانستان. كما أن ظروف الازمة الاقتصادية لن تمكن أميركا من الانفاق على اي حرب جديدة. وفي المقابل فان كوريا الشمالية وباعتراف الولايات المتحدة ذاتها قادرة على ضرب أهداف في داخل وخارج الأراضي الأميركية، مما يدع الأمن القومي الأميركي مكشوفا، بل ويضعه في خطر حقيقي أمام الصواريخ النووية الكورية. وهذا مايغل يد واشنطن عن أي فعل.

هذا العجز يمرغ اليوم الهيبة الأميركية دوليا، ويطلق يد بعض الدول الطامحة إلى النووي لاستغلال هذا الظرف التاريخي المواتي لمطامحها كي تعزز موقفها وتعظم برامجها النووية. وينطبق ذلك على إيران، التي تعلن أن برنامجها سلمي، وتحاول الحصول على اعتراف أميركي به، لكن هذا الطموح قد لا يتحقق كلية، فالظرف الكوري قد يضع البرنامج الإيراني أيضا في مواجهة ضغوط دولية جديدة، الا أن ما يعظم الموقف الإيراني هو أن أميركا لاتمتلك خيارات جدية حيال منعها من المضي قدما في برنامجها. وليس أمام واشنطن سوى الاعتراف به سلميا، ووضعه تحت الرقابة الدولية الصارمة من خلال الوكالة الدولية للطاقة النووية.

واذا أفلحت إيران في تحقيق طموحاتها، فان دولا عربية سوف تجد نفسها مضطرة إلى الدخول في سباق نووي، ولو سلما، نظرا لموجات الشك المتبادل.وهنا فان المارد النووي سيخرج عن السيطرة، خاصة وأن الخطر النووي الإسرائيلي يهدد الدول العربية جميعها.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية دوليا واقليميا للتمرد الكوري الشمالي على الأطر التي حاولت أميركا حبسه داخلها. وهذا أيضا السر وراء الغضب الأميركي، والاعلان انها لن تعترف بكوريا دولة نووية على الرغم من أن قضية الاعتراف ليست سوى قضية وقتية. وسواء اعترفت واشنطن أم لم تعترف، فان موقفها الدولي صار هشا فيما يتعلق بسياسة الاحتواء النووي، لأن كل من اليابان وكوريا الشمالية ستسعيان حتما إلى امتلاك السلاح النووي بأسرع ما يمكن لموازنة الخطر الشمالي أو لتحييده على أقل تقدير. وهكذا فان سياسة أميركا الساعية إلى منع الانتشار النووي عالميا وإقليميا تعرضت لضربة كورية قاتلة.

ويمكن القول إن مافعلته كوريا الشمالية يمثل بداية موت قوة الردع الأميركية، وتعد الولايات المتحدة هي المسؤولة عن ذلك عندما سمحت لنفسها باسقاط النظم المناوئة لها بالقوة العسكرية، مثلما فعلت في العراق، لأنها بتلك السياسة حفزت الدول المستهدفة إلى حماية نفسها نوويا.

ضربتان في رأس إسرائيل

في إسرائيل وصف أحد المعلقين التفجير النووي الكوري بأنه، وقع في قلب مقر الحكومة الاسرائلية، في تدليل على خطورة ما جرى. فإسرائيل سبق واتهمت كوريا الشمالية، بأنها تقدم تقنيات انتاج الأسلحة النووية والصواريخ المتطورة إلى ست دول عربية، وذلك خلال اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة النووية (السبت 4 اكتوبر 2008). وجاء هذا الاتهام ضمن الحرب الدبلوماسية التي تشنها إسرائيل ضد كوريا، خاصة بعدما فشلت في ثنيها عن المضي قدما في بيع السلاح وتقنياته للدول العربية. وقد ذاقت إسرائيل خلال حربي لبنان وغزة، ومن قبلهما في عام 1991 طعم حروب الصواريخ.

فقد استطاع حزب الله في حرب يوليو 2006 ان يشل الحركة في مستوطنات شمال إسرائيل لمدة 33 يوما، كما تمكنت حركة حماس من فعل الشيء ذاته في جنوب إسرائيل إبان حرب غزة2008، لمدة 23 يوما، والفضل في ذلك للصواريخ التي كسرت رأس إسرائيل وألحقت بها هزيمتين فادحتين. ولايمكن مقارنة قوة صواريخ حزب الله وحماس بما تمتلكه دول المنطقة من تقنيات صاروخية توافرت لها بفضل التعاون مع كوريا الشمالية، وهو مايعني أن التفوق الصاروخي لم يعد حكرا لإسرائيل. وقد فشلت كافة المحاولات الإسرائيلية لبناء نظم دفاعية ضد الصواريخ العربية، فلاحيتس نفع ولا استطاع الصمود، فكل ذلك لايزال أحلاما تراود الصهاينة.

وهنا أيضا يعد النجاح الكوري هزيمة ثقيلة لإسرائيل، لأنه وباعتراف منها ليس هناك مايمنع بيونغيانغ من مساعدة بعض الدول العربية على امتلاك الأسلحة النووية. وأيا كان فإسرائيل تستشعر خطر هذه الخطوة الكورية مثلما تستشعره أميركا واليابان وكوريا الجنوبية، ولكل أسبابه. لكن الدرس المهم الذي يجب أن يستوعبه العرب، هو أن امتلاك كوريا الشمالية للسلاح النووي وللقوة الصاروخية منعها من السقوط تحت الدبابات الأميركية، كما صار النووي أهم مصدر من مصادر قوة الدول في عالم اليوم. ولذا على العرب امتلاك الارادة كي يتمكنوا من تحقيق قوتهم التي لن تتحقق الا بامتلاك السلاح النووي، وبأي طريقة.

فاستطلاعات الرأي داخل الكيان الصهيوني تشير إلى أن ثلث الإسرائيليين سوف يغادرونها اذا امتلكت إيران السلاح النووي. فياترى كم إسرائيلي سيغادرها اذن لوامتلكت مصر أو سوريا أو العراق أو الأردن أو ليبيا سلاحا نوويا؟

إضاءة

تقع كوريا الشمالية في شبه الجزيرة الكورية، تحدها الصين شمالاً، ومن الجنوب كوريا الجنوبية. ويحدها كل من خليج كوريا والبحر الأصفر غرباً، ومن الشرق بحر اليابان. كانت شبه الجزيرة الكورية قد سقطت في العام 1905 تحت الاحتلال الياباني، وذاقت كل صنوف الويلات على يد القوات اليابانية الغازية التي انتهجت ممارسات وحشية في كل الدول التي استعمرتها.

وبعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية خضعت للتقسيم، إلى شمالية يحكمها الاتحاد السوفييتي، وجنوبية تحكمها الولايات المتحدة الأميركية. وفي كوريا الشمالية استطاع حزب العمال الشيوعي الكوري حكم البلاد بزعامة كيم أيل سونغ، بعد انسحاب القوات السوفييتية عام 1948، وإعلان الجمهورية. وفي العام 1950 اندلعت الحرب بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، فوقفت الصين إلى جانب الشمالية، وساندت الولايات المتحدة كوريا الجنوبية. ولم تستقر الأمور إلا بعد توقيع الهدنة بين الطرفين عام.

أحمد الكناني