محاولات الرئيس الأميركي باراك أوباما للتقرب إلى العالم الإسلامي، سواء من تركيا أو في زيارته المرتقبة إلى القاهرة يوم الخميس المقبل، تذكر بالتحول الذي طرأ على الدولة الرومانية قبل انهيارها. فالرئيس لا يخطب ود العالم الإسلامي عن قناعته بندية العلاقة بين الطرفين، وإنما يحاول تمرير استراتيجياته باللين بدلاً من القوة، وفي ذلك تعبير عن بدء مرحلة الانحدار الأميركي، ولولا هذا ما حضر أوباما، ولكي نفهم هذا التحول نعود إلى التاريخ الروماني وصولاً إلى الحاضر الأميركي.

منذ بدايتها أفرطت الدولة الرومانية في استعمال القوة ضد الآخر، ودخلت في العديد من الحروب، واستطاعت بناء إمبراطورية شاسعة، وانفردت بالعالم القديم كقوة وحيدة مهيمنة، واستمرت هكذا حتى دخلت في طور الإنهاك، وأوشكت على السقوط. وهنا تفتق ذهن الإمبراطور قسطنطين الأول عن طريقة مبتكرة يجدد بها شباب إمبراطوريته، ويعالج بها الكراهية والغضب المصوبين إليها.

ولم يجد بداً من تحويل إمبراطوريته من الوثنية إلى الإيمان بالمسيحية ديانة أبناء المستعمرات. ومع هذا التحول حدث تقارب بين الدولة الرومانية والخارجين عليها، إذ اعتبر هؤلاء، وكانوا من المسيحيين الضعفاء الذين اكتووا بوحشية الرومان، أن الله هدى لهم الإمبراطورية لتنصر دينهم. وهكذا استطاعت الدولة الرومانية أن تحقق بالدين ما عجزت عنه بالقوة، التي كانت تتسلل من بين يديها.

هذا التحول الروماني ينطبق على الولايات المتحدة اليوم، وعلى تحركات أوباما نحو العالم الإسلامي، من دون اعتناق الإسلام. فأميركا تحاول اليوم أن تحقق باللين ما عجزت عنه بالقوة التي صارت لا تخدم أهدافها. ولو أنها كانت قادرة عملياً على تحقيق استراتيجياتها عبر الاستمرار في استخدام القوة ؟ كما اعتادتها منذ عقود ـ لما ترددت، ولما فكرت لحظة في مخاطبة ود العالم الإسلامي.

قد لا ينطبق ذلك على العلاقات أو الحسابات الرسمية، ولكنه ينطبق حرفياً على العلاقة مع الشعوب. فالعداوة والكراهية الشعبية في مقابل الانبطاح الرسمي هو ما جاء بأوباما إلى العالم الإسلامي، وما كان سيأتي أيضاً بأي رئيس أميركي غيره في هذه الظروف.

القوة الأميركية ضد العالم الإسلامي بلغت مداها من التوحش في عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وفشلت فشلاً ذريعاً، وخير دليل هو هزيمتها في العراق وأفغانستان والصومال، ولهذا تتحول أميركا الآن من التغول إلى التودد.

ان الرئيس أوباما يرفع شعار التقارب، من دون تحمل أية مسؤوليات أو تبعات عن جرائم دولته ضد العالم الإسلامي، بل انه يواصل هذه الجرائم حيث يري فيها مصلحة لبلاده، ومن ذلك الحالة الدموية التي تجري في بعض البقاع الإسلامية بيد العسكرية الأميركية مباشرة أو من خلال وكلاء، في العراق والصومال وأفغانستان وباكستان، وإطلاق يد إسرائيل ضد الفلسطينيين، حصاراً وتجويعاً، كما هو حادث في غزة.

وإذا كانت روما القديمة قد نجحت في مسعاها وجددت شبابها إلى حين، فليس بالضرورة أن ينجح أوباما، لأن روما كانت دولة وحيدة منفردة بالعالم، أما اليوم فإن القوى الصامدة (روسيا) والصاعدة (الصين) تتشوق ليوم الانهيار الأميركي كي ترث دورها ومكانتها، وليس أوباما هو الإمبراطور قسطنطين، وإنما رجل عادي حملته المؤسسات الأميركية إلى الرئاسة ليجمل وجه بلاده القبيح، وهو ما لم ينجح فيه بعد.