هل نحكم على كوريا الشمالية ونقول انها دولة شريرة مارقة، أم نرثي لحالها ونعتبرها دولة مفترى عليها وضحية من ضحايا السياسة الأميركية المقيتة التي تبناها غير المأسوف عليه جورج دبليو بوش؟

من يتعرف على أحوال هذا البلد من الداخل خاصة فيما يتعلق بالأوضاع المعيشية للمواطنين ويقارنها بحال الشطر الآخر من شبه الجزيرة الكورية أي كوريا الجنوبية، ربما لن يتعاطف مع نظامها الشمولي الصارم على الإطلاق. سيراها دولة مستفزة تمارس سياسة الابتزاز النووي التي إن كانت قد نجحت فيها من قبل، فإنها الآن لن تستطيع أن تفلت من عواقبها وهي مزيد من العزلة والعقوبات الدولية الصارمة التي لن يجني ثمارها المُرة سوى شعبها المدرج ضمن من أفقر شعوب آسيا.

هذه الدولة.. كأنها تتبنى شعار «السلاح قبل الخبز» تحت ذريعة الحفاظ على أمنها ضد الولايات المتحدة التي توجد قواعدها العسكرية على حدودها بحكم أن الجار«الشقيق العدو» - كوريا الجنوبية - خاضع فعليا للحماية الأميركية منذ نهاية الحرب الكورية قبل 55 عاما.

كوريا الشمالية وصفها الخبير الأميركي بروس كمنجز بأنها دولة في شكل حامية عسكرية. تنفق ثلث ميزانيتها على الدفاع والتسليح. جيشها من مليون مقاتل وستة ملايين في الاحتياط. التجنيد إجباري لمن يبلغ 18 عاما ولمدة ستة أعوام يقضيها المجند حبيسا في ثكنته العسكرية. ويقال ان لديها أكثر من 15 ألف ملجأ سريا تحت الأرض للحماية وقت الحرب النووية. وتمتلك ترسانة عسكرية وصاروخية قوية.

وفي الأسبوع الماضي استعرضت أحدث قدراتها العسكرية. أجرت تجربة نووية ثانية وأطلقت سبع صواريخ على سبيل التجربة. من بينها صاروخان بعيدا المدى من طراز «داي با دونغ2» من الصواريخ عابرة القارات. (يمكن لهذه الصواريخ أن تضرب السواحل الأميركية وتجعلها تحت التهديد النووي. فالصاروخ مداه 6700 كيلومتر، أي ما يكفي لبلوغ ألاسكا أو هاواي.) هذه القوة العسكرية يصاحبها ضعف اقتصادي.

فهذه الدولة تعتمد على المساعدات الدولية لتغذية شعبها. عانت قبل عشر سنوات من مجاعة كان ضحيتها مليون مواطن. وفي أواخر العام الماضي، أشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن 9 ملايين يمثلون ثلث سكان البلاد تعرضوا لمخاطر المجاعة بسبب تراجع الحصص الغذائية التي تقدمها الدولة وارتفاع معدل البطالة وبسبب سوء الإدارة والكوارث الطبيعية أيضا.

ولننظر إلى أحوال «الشقيق المعادي» أي كوريا الجنوبية. إنها جزء مما يسمى بالمعجزة الشرق آسيوية. دخلها القومي يقترب من تريليون دولار. صادراتها قبل عام بلغت 370 مليار دولار. وحققت فائضا تجاريا يزيد على 15 مليارا. ويقال انها قد تصل قريبا إلى المرتبة العاشرة بين الكبار اقتصاديا على مستوى العالم. ويلاحظ أن عدد سكان كوريا الجنوبية ضعف الشمالية، وأراضيها تقل 20% عن أراضي الدولة الشمالية.

هكذا الشمال صاحب السطوة العسكرية والنووية، هزيل وفقير اقتصاديا، في حين أن الجنوب أقوى في بنيانه الاقتصادي ويصنف ضمن الدول الناهضة التي لا يمكن أن تصنف على أنها من دول العالم النامي. كوريا الشمالية، تلقي بيدها إلى التهلكة، خاصة وأن حلفاءها أو أصدقاءها وهما بالتحديد الصين وروسيا غاضبان من أفعالها ولا يريدان أن يتحملا أوزار صديق يسبح ضد التيار. هذا البلد الفقير العنيد، بات بمثابة صداع أصاب المجتمع الدولي. وللأسف علاجه قاصر على عقوبات دولية صارمة لا يدفع ثمنها سوى الشعب الكوري الشمالي المغلوب على أمره.