رغم مساعي تبني سياسة عسكرية جديدة للولايات المتحدة تقوم على الابتعاد عن أخطاء الإدارة السابقة، إلا أن بعض الأوضاع المعدة لخطة «الاستراتيجية العسكرية الأميركية في القرن ال21» من قبل باراك أوباما ونائبه جو بايدين تبدو متناقضة، ويكشف تطبيقها الفعلي في قضايا مثل الدرع الصاروخية، الشرق الأوسط، تسوية النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي عن أخطار شبيهة بتلك التي واجهتها إدارة بوش.
«لقد ورثنا هيكل الأمن القومي الذي وضع منذ الأربعينات ونظم للانتصار في الحرب الباردة. واليوم ليس بقدرة أميركا ببساطة أن تتمسك بالنظام السابق عند إعداد سياسة الدفاع القومي»، على وقع هذه الرؤية وضعت أسس مخطط أوباما ـ بايدن لاستراتيجية أميركية عسكرية للقرن 21 وهو ما يمثل تلخيص واقع نهاية عهد «العالم الأحادي القطب» وعدم إمكانية تمسك الولايات المتحدة الأميركية بمواقف الدولة العظمى العالمية الأولى والوحيدة.
ومن المثير في هذا المعنى أن يتضمن الاقتراح المعد، لكن بحذر شديد واضح، تقليص التواجد الأميركي العسكري خارج أراضيها. جنودنا، بحارتنا، طيارونا، مشاتنا البحرية موزعون في كل الكوكب الأرضي، وينفذون مهمة شاقة بالدفاع عن الأمة. لكن هؤلاء الأبطال غير مؤمنين بالضروريات ويطلبون من السياسيين ألا يعتبروا التضحيات المقدمة من قبلهم شيئاً طبيعياً وعادياً. ويمثل تقييم استراتيجية الولايات المتحدة على هذا النحو مثل معنى ما ثورياً.
تعزيز القدرة القتالية
الأكثر من ذلك أن هذا التقييم يقع في اتصال متبادل مع توظيف وتكميل وتجهيز مناسب للقوات المسلحة. وقد نتج سقوط سمعة الخدمة العسكرية في الولايات المتحدة الأميركية، من الحروب الدائمة في الشرق الأوسط والخسائر المرتفعة باعتراف مخطط أوباما ـ بايدن كواقع: «البلد بتعداد سكانه 300 مليون نسمة يجب ألا يمارس البحث عن العدد الكافي من المواطنين الصالحين للخدمة العسكرية. ومشكلات توظيف وإكمال والمحافظة على القدرة القتالية للجيش تعتبر أولوية للإدارة التي تعتقد انه من الضروري توضيح القيم للخدمة لأمتنا».
وبالاعتراف بنهاية عهد الريادة الشمولية للولايات المتحدة الأميركية تقوم الإدارة الجديدة بالمراهنة التي لا يمكن تجنبها في أصعب الأوضاع على إعادة بناء المواقف الجيو ـ سياسية المهزوزة لبلادها وتجديد تأثيرها على مجريات القضايا الدولية. وبالإعلان عن عهد الدبلوماسية في السياسة الخارجية الأميركية، يرى فريق أوباما في حفاظ الولايات المتحدة على التفوق العسكري المطلق أهم أداة لدعم جهودها الدبلوماسية. لهذا فان حصة الأسد للعقيدة العسكرية الجديدة تخضع لتقسيم «الاستثمارات في الاستراتيجية العسكرية للقرن 21».
تحديث أنظمة التسلح
الاهتمام الرئيسي الذي توليه إدارة أوباما في الخطة الجديدة هو إنتاج وتحديث أنظمة السلاح. وفي خطة أوباما ـ بايدن يخطط لزيادة عدد القوات البرية ب65000 عسكري وضابط، وقطع المشاة البحرية ب27000. عدا عن ذلك ستمارس الوكالة الحكومية الخاصة برامج التربية الوطنية للشباب.
في قسم «وصف برنامج التسليح» تشير العقيدة العسكرية الجديدة إلى ضرورة «إعادة توازن» عملية إعادة تسليح الجيش «لاستخدامه ضد الأخطار المستقبلية في العالم بعد 11 سبتمبر». ويوضع أمام برامج التسليح لكل وحدات القوات المسلحة هدف واحد فقط ـ زيادة القوة «الشمولية».
وتخصص تمويلات مالية كبيرة للاستراتيجية الأميركية التقليدية ـ السيادة في البحر. كما تتضمن الخطة الدعوة إلى «التفوق المطلق الأميركي في القوى البحرية الحربية» فضلاً عن التزام الإدارة الجديدة «بنشر السيادة الأميركية في الفضاء». ويعتبر الوضع حول أنظمة الدرع الصاروخية الدفاعية أولوية مهمة «للاستراتيجية الأميركية العسكرية للقرن 21».
وكما في زمن بوش هو في عهد أوباما برنامج الدرع الصاروخية يبقى الأكثر كلفة في الجانب المالي كمشروع عسكري. وكما أشار مدير هيئة الرقابة الحكومية الأميركية بول فرينسيس في تقريره للكونغرس «قدم للوكالة المسؤولة عن الدرع الصاروخية تمويل مالي غير مسبوق».
أفغانستان والشرق الأوسط
يلي ذلك عنصران أساسيان للسياسة العسكرية لإدارة أوباما: مهمة الناتو في أفغانستان والشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل. وبحسب أفكار المعدين، فإن إحدى المهمات الحساسة للولايات المتحدة الأميركية في القرن 21 هي توطيد التكامل الداخلي للحلف الأطلسي، الأمر الذي يجب أن يتم التوصل إليه عبر إجراء عمليات عسكرية مشتركة.
وقد كانت زيارة أوباما لكندا أول اختبار لهذا الطرح على نحو يمكن معه القول إنها سياسة ستلقى صعوبات، حيث أعلن رئيس الوزراء الكندي إصراره على سحب قوات بلاده من أفغانستان، مؤكداً أن «الأمن في أفغانستان يجب أن يؤمنه الأفغان بأنفسهم». سياسة أوباما العسكرية تصبح أكثر تعقيداً فيما يتعلق بإسرائيل. من جهة، أعلنت الإدارة الجديدة للولايات المتحدة عن إيلاء جهد خاص لعملية التسوية السلمية.
من جهة أخرى تعلن واشنطن استعدادها دعم حق إسرائيل كـ «حليفنا المهم في الشرق الأوسط» في «الدفاع عن النفس» بما فيه بالوسائل العسكرية وكمثال لحق الدفاع عن النفس تقدم خطة أوباما ـ بايدن عدوان الجيش الإسرائيلي على لبنان في عام 2006.
وكيف يمكن موافقة أسلوب تفكير أوباما حول «الدولة الفلسطينية» مع تصريحات زعيم حزب «الليكود» الفائز بالانتخابات البرلمانية في إسرائيل بنيامين نتانياهو بأن «هذه القضية بالنسبة لنا لا تعد مهمة»؟ وما هي ردة فعل الولايات المتحدة إذا بدأ نتانياهو حرباً ضد إيران أو دولة أخرى شرق أوسطية؟.
د. معمر الفار
