لا يكاد الناس العاديون يسمعون كثيرا عن «الرنمنبي».. وإذا سمعه أحدهم من مذيع في الراديو أو التلفاز.. فقد يتصوره مثلا.. مثلا ماركة صابون أو نوعا مستجدا من الألعاب الرياضية.. أسوة برياضة التايكوندو سواء بسواء. لكن ها هو «الرنمنبي» يكاد يفرض نفسه على الأسماع والإفهام.. وفي مضمار الاقتصاد وقيمة العملات النقدية على وجه الخصوص.

وبديهي أن الخبراء الاختصاصيين، ومعهم أيضا جمهرة المتعاملين في دنيا البورصات وأسواق العالم المالية يعرفون أن «الرنمنبي» هو العملة القومية لدولة الصين الشعبية. وبديهي أيضا أن العالم ظل على مدار الستين عاما الماضية وربما أكثر.. يركز على متابعة عملة محورية بالذات اسمها الدلاور الأميركي.

عن الحرب ونتائجها

وكان لذلك أسباب شتى أساسا أن أميركا خرجت من أتون الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وهي تكاد تكون الطرف الفائز الوحيد.. فلم تُحتل أرضها كما حدث مع ألمانيا أو فرنسا، ولا تعرضت عاصمتها لغارات الدمار على يد طائرات مسر شميت الهتلرية كما حدث للعاصمة البريطانية لندن.. ولا اجتاحت أقاليمها جحافل الغزو النازي على نحو ما تعرضت له أراضي الاتحاد السوفييتي.. ولا وقعت ضحية لأول وأخطر حادثة تفجير بشع في التاريخ على نحو ما حدث لليابان في هيروشيما وناجازاكي.

وبالإضافة إلى هذا المركز المرموق من حيث الأمن والسلامة، فقد اكتسبت أميركا خلال الحرب وفي أعقابها لقب »المحرر» الذي ساعد على كسر شوكة ثلاثي دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) الذي هدد أيامها سلام العالم واستقراره، فضلا عن أن واشنطن دخلت ساحة العلاقات الدولية في أعقاب الحرب وفي يدها »صحيفة حالة» خالية من السوابق الإمبريالية أي من جرائم الاستعمار القديم.. الإنجليزي أو الفرنسي أو حتى الإيطالي في اسيا وأفريقيا، فضلا عن قوى الاستعمار العتيق وهي إسبانيا والبرتغال في قارة أميركا اللاتينية.

عند منتصف الأربعينات كانت أميركا ـ أو فلنقل بلاد العالم الجديد كما كان يطلق عليها في القرن التاسع عشر ـ فتيّة عفية لا تزال.. إذ لم يكد عمرها كدولة وكيان سياسي.. يزيد وقتها على 170 عاما وهي مدّة ـ كما لا شك نعرف ـ لا تزيد عن ومضة خاطفة من عمر الأمم وتواريخ الشعوب.

سيادة الدولار

كل هذه المميزات هي التي أهّلت عملة أميركا لأن تصبح هي الأداة أو المعيار المستخدم في التعاملات والصفقات والاتفاقات الاقتصادية الدولية.. وساعد على هذا التيار من التكريس الذي نالته عملة الدولار أن تزامن هذا التيار مع الدعوة التي قادتها أميركا إلى إنشاء منظمة الأمم المتحدة، حيث لم يكن صدفة أن بدأت هذه الدعوة باتفاقات بريتون وودز الشهيرة في عام 1944 التي أسفرت ـ كما هو معروف ـ عن إنشاء المنظومة الثلاثية من المؤسسات الاقتصادية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسة المالية الدولية)، ولا كان صدفة أيضا أن تظل رئاسة البنك الدولي حكرا أو شبه حكر على شخصية أميركية..

وان يظل مقر هذه المنظومة النقدية الدولية في العاصمة الأميركية واشنطن. بعيدا بالطبع عن المقر العتيد للأمم المتحدة في مانهاتن ـ نيويورك، ثم أن يتسيّد الدولار عملية أساسية أو فلنقل عمدة العملات التي ظل يتداولها عالم النصف الثاني من القرن العشرين وحتى كتابة هذه السطور حتى بعد أن اصطنعت المنظومة الدولية فكرة حقوق السحب الخاصة وفكرة سلة العملات المتنوعة.

ولأن دوام الحال من المحال.. فقد كان طبيعيا أن تطرأ متغيرات على أحوال عالمنا.. خاصة مع دخول الكوكب في سنوات القرن الجديد الذي جاء بمستجدات كان بعضها متدرجا وبعضها مستترا وبعضها ظل كامنا إلى أن كشفت عنه الأزمة المالية التي أنشبت مخالبها في بنية الاقتصاد العالمي.. منذ خريف العام الماضي.. في حين ظهرت بوادر أعراضها المرضية في أميركا وليس غيرها.. مع ذلك فثمة إجماع من جانب مراقبي ومحللي المشهد العالمي على أن السطوة الإمبراطورية للدولار الأميركاني كانت تهتز قوائمها قبل وقوع الأزمة.. وربما كانت من العوامل التي أفضت إلى وقوعها..

صحيح أن أميركا نعمت بشعور الفوز المؤزر في سباق الحرب الباردة في فاتح التسعينات حين انهار إلى الزوال غريمها الذي كان يحمل اسم الاتحاد السوفييتي.. لكن الصحيح أن نفس الفترة بدأت تشهد بروز قوى دينامية مستجدة على صعيد الكوكب. وما زالت تثبت جدارتها بوصفها اقتصاديات ناشئة أو فلنقل صاعدة وكان من مقدمتها كل من الصين والهند والبرازيل.

وإذا كانت البرازيل قد ذاع اسمها بفضل ما تحظى به من موارد طبيعية متنوعة، وإذا كانت الهند تواصل صعودها بفضل تراث عريق في الممارسة الديمقراطية يرجع إلى فجر استقلالها عام 1947 وأيضا بفضل تصاعد مطرد في مراقي البحث العلمي ما زالت تنهض به مراكز الامتياز الهندي ونموذجها الأقرب هو منطقة بنجالور، فإن الصين ما برحت تمثل النجم الدينامي ـ الأخطر والأقدر، والمرشح من ثم لكي ينافس.. الولايات المتحدة على مكانتها العالمية.. لا بفضل البروباجاندا ولا الشعارات المطروحة.. ولكن بفضل الخطوات الوئيدة.. المتواصلة التي ما برحت بيجين تتخذها في أكثر من ساحة ومجال.

وبديهي أن يكون الاقتصاد هو أهم هذه المجالات التي تثبت فيها الدول والنظم السياسية قدرتها وتؤكد مكانتها.. وفي مقدمة أدلة الإثبات ـ الدامغة بكل معنى ـ ما يتمثل في عملة الدولة.. من حيث قيمة هذه العملة، وأسعار تداولها.. ومدى استقرارها.. وآفاق مستقبلها.

وجاء دور الرنمنبي

وفي ضوء هذا كله جاء اهتمام المحللين السياسيين ومتابعي الشأن الصيني وأبعاد انعكاساته على الصعيد العالمي بعملة الصين ـ الرنمنبي التي ألمحنا إليها في مستهل هذه السطور. صحيح أن اسمها صعب في النطق وفي الكتابة.. لا يكاد من فرط وعورته يطاول رشاقة أسماء أخرى.. مثل الدولار.. اليورو.. الدينار.. المارك.. الدرهم.. الفرنك وحتى الجنيه أو الليرة أو البيزيتا الأسبانية. لكن هذه الوعورة في اللفظ يمكن أن تخف إذا ما بدأت عملة الصين تشق طريقها إلى حيث تتردد يوما بعيدا أو قريبا على أكثر من لسان. كيف.. ولماذا يحدث هذا التطور؟

دراسة أميركية

هذا ما تجيب به مقالة بحثية نشرها في منتصف مايو البروفيسور «نورييل روبيني» أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك. والرجل ليس مفكرا اقتصاديا عاديا.. بل يرتبط اسمه ببصيرته النافذة ورؤيته الثاقبة إلى أحوال اقتصاد أميركا والعالم.

وعلى سبيل المثال فقد شهد له مؤخرا اقتصادي مرموق هو البروفيسور «بول كروغمان» الحاصل على جائزة نوبل في عام 2008 بأن روبيني كان أول من تنبأ بوقوع أزمة مالية ومن ثم اقتصادية في أميركا ومن ثم في مستوى العالم.. لقد حذر من مغبة هذه الأزمة.. دون أن يصغى إليه أحد فقد جاءت تحذيراته أيام حقبة المحافظين الجدد بكل ما ركبهم من غرور الثقة الجوفاء في النفس خلال السنوات الثماني من حكم الرئيس السابق جورج بوش.

باختصار شديد يطلق الأستاذ روبيني على العملة الصينية وصفا طالما كان لصيقا بالدولار الأميركي.. والوصف هو: العملة الكلية الاحترام.. باختصار أيضا توضح هذه الدراسة حقيقة المعادلة التاريخية التي تربط بين القوة والعملة.. بمعنى في القرن 19 كان الإسترليني هو سيد العملات لأن بريطانيا كانت إمبراطورية عظمى.. وفي القرن العشرين ساد الدولار بعد أن تبوأت أميركا مكانة الدولة العظمى ـ وفيما كان القرن 19 عصرا بريطانيا، وكان القرن 20 عصرا أميركيا.. فثمة من يتصور القرن 21 قرنا آسيويا.. تهيمن عليه »صين» صاعدة ذات عملة تتخذ طريقها نحو السيادة بصورة أو بأخرى.

تراجع مكانة الدولار

في هذا السياق يقول الأستاذ روبيني طبيعي ألا تزول مكانة الدولار بين عشية وضحاها. ولكننا نحذر من الركون إلى هذه الحقيقة (إذ نتوقع) في مرحلة أقرب مما يتصور الكثير أن يواجه الدولار الأميركي تحديات من جانب العملات الأخرى التي سوف تتصدى لمزاحمته على المركز رقم واحد في التحويلات والاحتياطيات المالية الدولية.

والسؤال هنا هو: متى تتبدد أو تترنح مكانة العملة؟

والإجابة: عندما تصبح دولة العملة مدينة لا دائنة ( وهو حال بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية) وعندما تتصدع مكانتها السياسية في العالم (حال بريطانيا أيضا بعد حرب السويس عام 1956)

والسؤال الآخر هو: ما هي العملة ؟ العملات التي يمكن أن تزاحم الدولار الأميركي حاليا؟

تجيب دراسة البروفيسور روبيني بأن عملات الجنيه الإنجليزي (الإسترليني) والين الياباني والفرنك السويسري لا تصلح لهذا الدور.. لأنها عملات لا تنتمي إلى دول عظمى ذات مكانة دولية كبرى.. أما اليورو فهو عملة متأرجحة المكانة وخاصة في ضوء التعثر الذي يراه الاقتصادي الأميركي ملازما لتجربة الاتحاد النقدي الأوروبي.

وهناك من يتساءل: وأين دور الذهب كمعيار للتبادل أو مخزن للقيمة؟

وهنا أيضا تجيب الدراسة التي بين أيدينا في طرافة تهكمية لا تخفى: الذهب ـ يا عزيزي ـ أيقونة مورثة من أيام ما قبل الحضارة.. ولا ترتفع قيمة الذهب إلا إذا ما ارتفعت معدلات التضخم فضلا عن. موروثه حكاية التعامل بالذهب ولت ولم تعد أمرا عمليا ولا واقعيا.

والحاصل أن يظل الدور على عملة الصين: الرنمنبي.

يؤهلها للدور أن الصين تتمتع حاليا بموقع الطرف الدائن (أميركا هي الطرف المدين حسب حالة المركز التجاري بين الطرفين) والصين تحظى حاليا بفوائض طائلة في الحسابات الجارية ولا تعاني سوى عجز محدود في الميزانية القومية فضلا عن مواصلتها خطى النمو بشكل مطرد وحثيث (رغم انخفاض معدل النمو عن رقم الخانتين المرموق السابق تحقيقه منذ سنوات).

نبادر من جانبنا لنوضح أن أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك لا يصدر عن تحليله الذي عرضنا إليه من منطلق غرام مفقود أو إعجاب مشبوب بالصين أو اقتصاد الصين أو عملة الصين. الرجل يصدر عن محاولة تحذير عاقلة مستندة إلى تحليل علمي يشخص فيها الأدواء التي تستبد باقتصاد أميركا والعالم داعيا للإصغاء إلى دعوة الصين لإنشاء سلة عملات تحل محل الدولار (وتضم معه اليورو والإسترليني والين والعملة الصينية رغم صعوبة كتابتها).

فيما يلفت اهتمامنا أيضا قوله إن تراجع مكانة الدولار قد يستغرق أكثر من عقد من السنين، لكنه قد يحدث أسرع من ذلك، إذا ما ظلت أميركا سادرة في سلوكها الاستهلاكي.. وإلا فإن عليها أن تكبح شهوة الإنفاق وتحدّ من الاقتراض بعد أن ظلت لأكثر من عشرين عاما مضت تنفق بأكثر من دخلها وتمارس النمو على أساس من خلل في ترتيب الأولويات.

باختصار شديد على القوم أن يصغوا إلى نصيحة المحلل الاقتصادي الأميركيين «ديفيد ليوهاردت» في أحدث بحث له بعنوان المعضلة الصينية (مجلة نيويورك ماجازين عدد 17/ 5) ونقول النصيحة: على الأميركان أن يستهلكوا أقل، وعلى الصينيين أن يستهلكوا أكثر. ألا يشكل هذا درسا مستفادا لأميركا بقدر ما يكن أن يكون عبرة لنا كذلك؟

محمد الخولي