تقدر منظمات حقوق الإنسان عدد الأرامل في العراق بما يزيد على المليون امرأة، وعدد الأطفال اليتامى بزهاء أربعة ملايين، ما يعكس مدى المرارة والعسف الذي تعاني منه النساء العراقيات، حيث مرّ الشعب العراقي، وعلى مدى أكثر من عقدين من الزمن، بظروف صعبة حملت الكثير من القسوة والألم والمرارة، بسبب الحروب والحصار الاقتصادي والأوضاع الأمنية المرعبة في فترة ما بعد الغزو والاحتلال، والتي تحملت المرأة العراقية خلالها عبئاً كبيرا في مواجهة هذه الظروف، وما زالت تعاني الكثير، وتعمل بجد وقوة وصبر، يحدوها الأمل والتفاؤل والرغبة في إثبات الذات.

بصيص أمل

والآن صارت للمرأة العراقية صور متعددة، ربما أفضلها تلك التي أعطتها بعض حقوقها، لتحجز لها مكانا تعبر فيه، إلى حد ما، عن حاجات بنات جنسها ومطالبهن، حيث ترى الكاتبة الصحافية زينب الجوادي أن مجرد مشاركة المرأة العراقية في العملية السياسية، بغض النظر عن نجاحها أو فشلها، هي انتقالة كبيرة نحو مرحلة جديدة ينظر فيها إلى كفاءة المرأة وقدراتها الذاتية، ويجري الحكم عليها بحسب ما تقدمه من عطاء للآخرين.

وتؤيد هناء أدور، الناشطة النسوية ورئيسة منظمة الأمل الإنسانية، مشاركة المرأة في العملية السياسية، لأحداث نوع من التغيير القائم على التعبير عن حاجات ومطالب تشعر بها المرأة أكثر من غيرها، لمعاناتها طوال سنين من القهر والحرمان، وتواصل هذه المعاناة بأشكال وملامح جديدة، وبالتالي الحاجة إلى وجود أصوات مخلصة تطالب بتوفير أطواق نجاة للمرأة العراقية، من خلال تضافر الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، والنساء أنفسهن.

العمل الإجباري

إلا أن هناك صورا أخرى للمرأة بواقع الظروف التي أجبرت النساء العراقيات على «منافسة» الرجال في مهنهم، ولعب أدوارهم، فهي، وان كانت تهفو إلى الحرية وتطمح إلى المساواة وتحترم من يشجعها على العمل ويفتح لها أبواب المشاركة الفاعلة في بناء المجتمع، إلا أنها تشعر بالمرارة أحيانا، ويحز في نفسها خروجها لتأدية مهام هي من صلب مسؤوليات الرجل، ولا تحقق لها شيئا مما تطمح إليه، وكل ذلك بسبب قسوة الظروف الأمنية، أو المعيشية.

وتنتظر «وفاء»، على سبيل المثال، ان يكبر شقيقها قليلا ليحل محلها في الحصول على النفط والغاز من محطة الوقود المجاورة لمنزلهم، فهي لا تتقن حاليا سوى هذه المهنة التي تعلمتها من جاراتها حين رافقتهن ذات يوم كبديل عن والدتها المريضة، ومن يومها وهي مضطرة للوقوف في طابور النساء طوال النهار للحصول على حصة إضافية من الوقود، بالاتفاق مع القائمين على المحطة، ثم بيعها بأسعار تجارية.

إعالة المرأة

ولا تحبذ وفاء الاستمرار في ممارسة بيع الوقود، لشعورها بالإهانة أحيانا، وتعرضها للتحرش والمضايقات في أحيان أخرى، لكنها واحدة من آلاف العراقيات اللائي فقدن المعيل، واضطررن للنزول إلى الشارع، لحمل مسؤولية إعالة أسرة، بدلا من الرجل. ولا تقل معاناة «أم احمد» عن سابقتها، وهي تخوض مهنة تندر ممارسة المرأة لها، حتى في الدول الأخرى، وهي قيادة سيارة أجرة، إذ لم تمارس «أم احمد» هذه المهنة على سبيل التسلية أو الترف، بل اضطرها فقدان الزوج وضيق الحالة المعيشية، ووجود سيارة أجرة في مرآب منزلها إلى استغلال قدرتها على قيادة السيارة في إعالة أسرتها.

وتحرص «أم احمد» على نقل العوائل، والنساء حصرا، والتجول في أماكن قريبة من منطقة سكناها، ولا تعبأ بالدهشة التي ترتسم على وجوه الرجال والنساء معا حين يكتشفون هويتها، فالأهم لديها هو إيصال أولادها إلى مراحل دراسية متقدمة، عبر ممارسة عمل شريف.

حاجات.. وحاجات

ويشير واقع الحال إلى تزايد تسرب الفتيات من المدارس، وتضاعف نسب الأرامل والمطلقات والعاطلات عن العمل من المتخرجات حديثا، فضلا عن تزايد نسبة العنوسة، وارتبطت كل تلك التغيرات السلبية بالظروف الأمنية والمعيشية التي لم ترتق إلى مستوى الاستقرار بعد.

وبحسب آخر إحصائية للجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات التابع لوزارة التخطيط العراقية، تبين ان نسبة النساء غير المتعلمات وصلت إلى 3,32% لحد عمر 10 سنوات، أي أكثر من ضعف نسبة الذكور. ويرتفع العدد مع تقدم الأعمار، في الوقت الذي أثبتت فيه الدراسات انه لا تقدم في العملية السياسية والاقتصادية بدون تعليم الفتيات، وان تلك الحالة ستؤثر سلبا على الإنتاج والحالة الاجتماعية.

وترى حوراء رشيد خريجة جامعية: «ان الحصول على وظيفة بات امرأ عسيرا، وان حصل ذلك فلا تكون الكفاءة هي المعيار بل (الواسطة) والعلاقات الخاصة والانتماءات الحزبية، وبعد ان كان المواطن العراقي مطالبا في السابق بالانتماء إلى حزب واحد لتسهيل أمور حياته، صار عليه الاتكاء على جدار صلد لحمايته من الآخرين، خاصة بعد حالة الخوف التي شلت مفاصل العمل في العراق طوال مرحلة العنف الطائفي».

حياة صعبة

أما لبنى صالح فتتألم بشدة كلما تذكرت منزلها الذي تم تهجيرها منه عنوة، بعد مقتل زوجها، واضطرارها إلى السفر خارج العراق وعادت إلى بلدها بلا معيل ولا عمل ولا مدخرات ولا سقف يؤويها، لتستقر مع أهلها، وتخرج يوميا للبحث عن عمل يناسب شهادتها الجامعية لتعيل أطفالها، وتنتظر استتباب الأمن في منطقتها لتعود إلى منزلها وتواصل حياتها الصعبة.

وترى الدكتورة فوزية العطية، الناشطة النسوية وأستاذة علم الاجتماع في كلية الآداب: «ان المرأة العراقية تستمد صبرها وجلدها من صعوبة ظروفها، فهي تنتقل من مرحلة صعبة إلى مرحلة أصعب، منذ ان غادر الرجال للقتال في حروب متواصلة».

ولا تخفي العطية وجود تفاؤل ملموس لدى النساء العراقيات، رغم مرارة ظروفهن، من خلال محاولاتهن الجادة لإثبات مكانتهن وجدارتهن في تعويض مكان الرجل الغائب، ومنافسة الرجل الحاضر، وتأمل ان تمنح السنوات المقبلة المرأة العراقية فرصة حقيقية لإطلاق طاقاتها المخبوءة، واستغلال قدراتها في بناء عراق ينبذ الطائفية والمحاباة.

في الانتظار

وإذا كانت زيادة رواتب الموظفات في السنوات الأخيرة، والتعديلات التي شملت السلم الوظيفي، منحت الآنسات وحتى «العوانس» فرصة أخيرة لدخول العش الذهبي، بعد ان صارت الوظيفة امتيازا بالنسبة للزوجة، لينقسم عبء المسؤولية على كتفي الزوجين، وليس الزوج وحده.

فهناك آلاف من النساء اللواتي ينتظرن إنقاذا حقيقيا من قبل الدولة ومنظمات المجتمع المدني، كالمطلقات والأرامل والأميات، بتوفير مورد دخل ثابت لهن، أو مشاريع عمل تجتذب طاقاتهن وتحميهن من التشرد والانحراف، وانتظار ما لا يأتي، ليصبح التغيير فعليا، وتجتاز المرأة العراقية المخاض الصعب نحو ولادة حقيقية.

بغداد ـ «البيان»