يحتدم القتال في إقليم «وزيرستان» وخاصة منطقة «سوات» التي تشهد معارك ضارية بين الجيش الباكستاني وقوات طالبان، مما أدى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا والخسائر في الجانبين وأثار العديد من المخاوف حول مستقبل باكستان خاصة في ظل الهجمة الصعبة التي يواجهها النظام الحاكم في إسلام آباد والمعارضة المحتدمة التي تواجهه وزيادة نفوذ قوات طالبان بمساعدة القاعدة والتيارات الإسلامية والجهات القبلية في باكستان.
مما يجعل البعض يطرح خيارات وسيناريوهات صعبة حول سقوط النظام الحاكم في إسلام اباد واستيلاء طالبان على الحكم، وهو سيناريو قد يكون مفزعا خاصة للأميركيين والغرب وإسرائيل نظرا لما يتم الترويج له من مخاطر تترتب على ذلك من سيطرة الإسلاميين المتشددين على السلاح النووي الباكستاني والغرب لم ينته بعد من حل إشكالية البرنامج النووي الإيراني باعتباره نظاما راديكاليا متطرفا وفقا للتوصيف الغربي.
وكان الرئيس الباكستاني آصف على زرداري قد أكد أن المسلحين من قوات طالبان هم الذين أجبروا الحكومة على اللجوء إلى خيار العمل العسكري ضدهم، مشيراً إلى أن الحكومة لم تتخذ قرار شن العمليات العسكرية في مناطق «سوات» إلا بعد فشل جهود السلام لعدم التزام المسلحين باتفاق السلام، واستغلالهم لجهود الحكومة الرامية إلى التفاوض والمصالحة من أجل تحقيق السلام.
زعزعة استقرار باكستان
وكانت مصادر استخبارية باكستانية كشفت عن وجود جهات أجنبية تدعم المتشددين وتمدهم بالمال والسلاح بهدف إضعاف وزعزعة أمن باكستان واستقرارها، حيث يقدم 50 دولارا يوميا لكل مسلح ولا شك أن هذه الأموال من أجهزة استخبارات أجنبية، ومن تجارة المخدرات لدعم المسلحين أو دعم من يقومون بالعمليات الانتحارية في اتهام واضح لتورط المخابرات الهندية في دعم قوات طالبان لإثارة القلاقل وزعزعة الأمن في باكستان .
في البداية، يقول الخبير الاستراتيجي بمركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور طارق فهمي: إنه من الواضح أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة مع تولي الرئيس باراك أوباما تركز على الوجود عن قرب وعن بعد في آن واحد بمنطقة آسيا.
وأشار إلى أن دعم الولايات المتحدة لباكستان يرتبط بثلاثة أبعاد رئيسة، أولها يتعلق بالتقرير الذي رفعه معهد «بروكجينز» الأميركي إلى الرئيس باراك أوباما بهدف الحفاظ على مصالح الأمة الأميركية في مناطق التماس في أفغانستان وباكستان والمناطق المجاورة وحتى الصين والهند، أما البعد الثاني والقائم على دعم الولايات المتحدة لحلفائها دون إيجاد مشكلات للأمة الأميركية بمعنى دعم باكستان دون الدخول في مواجهات أميركية مع أحد.
الدبلوماسية الناعمة
وقال: إن البعد الثالث يتمثل في إعلان الإدارة الأميركية عن استخدام الدبلوماسية الناعمة ليس بهدف الإبقاء على التحالفات وإنما لضمان التواجد عن قرب وبعد في آن واحد، مشيرا إلى وجود استراتيجية أمنية أميركية جديدة بدأت في تطبيق أبعادها في المنطقة لإعادة انتشار قواتها في العالم وفي المنطقة الآسيوية وما يجاورها بما يستهدف إعادة الانتشار الأمني والاستراتيجي للحفاظ على مصالح الأمة الأميركية ينافسها في ذلك الصين.
ونوه فهمي إلى وجود صراع دولي اتضحت معالمه في المنطقة الآسيوية ودخول أطراف دولية جديدة في اللعبة، فهناك إعادة انتشار بريطاني في المنطقة والتزام روسي بضمان أمن دول الكومنولث للدول الإسلامية بالإضافة إلى تحركات صينية ويابانية أخرى في المنطقة.
وحول الموقف الأميركي من إمكانية وصول طالبان للحكم في باكستان أو أفغانستان، قال: هناك مخاوف أميركية حقيقية من عودة طالبان للحكم، لافتا إلى تقرير صادر مؤخرا عن المخابرات الأميركية أوصى بضرورة عدم التورط الأميركي في الداخل الباكستاني مرة أخرى.
وتابع: أنه لا يوجد احتمال للتدخل العسكري الأميركي في حال تولي طالبان للحكم في باكستان أو في أفغانستان، مشيرا إلى أن ما يثير قلق واشنطن هو السلاح النووي وضمان عدم وصوله إلى طالبان أو تنظيمات إسلامية متطرفة، وهناك تأكيدات وضمانات لعدم وصولها إلى طالبان حتى في حال وصولها للحكم.
وأشار إلى أنه لا يوجد التزام أميركي مباشر بالحفاظ على الحاكم في باكستان نظرا لضعفه، مضيفا: أنه في شهر مارس الماضي أصدر أحد أهم المراكز الاستراتيجية في واشنطن تقريره السنوي أكد فيه أنه في حال انهيار النظام الباكستاني، على الولايات المتحدة ألا تتدخل حيث لا توجد مصلحة مباشرة في دعم هذا النظام خاصة وأن هناك ضمانات للحفاظ على السلاح النووي الباكستاني، بمعنى أنه لا توجد مصلحة أميركية في المحافظة على نظام ضعيف.
ميراث إدارة بوش
أما سفير مصر السابق في العاصمة الباكستانية إسلام آباد السفير أحمد الغمراوي فقد أشار إلى أن الأسلوب الذي استعملته الولايات المتحدة الأميركية في الفترة الأخيرة هو محاولة استخدام القوة لحل كل المشاكل وخاصة فيما يتعلق بموضوع القاعدة وطالبان ومحاولات تصوير طالبان والقاعدة باعتبارهما أعداء لأميركا والغرب مثلما أنهم أعداء للحضارة والإنسانية والتقدم واعتبارهما ممثلين للإسلام.
وأنه طالما أن هؤلاء سيئين فإن كل العالم الإسلامي يكون سيئا، وهو تفكير وتناول خاطئ من جانب إدارة بوش التي كان تسيطر عليها مجموعة من الصهيونية العالمية والمحافظين الجدد الذين تلاقت أهدافهم ومصالحهم في زيادة أرباحهم واستغلال الحرب ضد الإرهاب في خدمة مصالح مجموعة المتاجرين بالسلاح والبترول والذين كانوا يسيطرون على الإدارة الأميركية.
وأشار إلى أن ديك تشيني رئيس شركة هيربرتون البترولية، وكونداليزا رايس كانت عضوا بمجلس إدارة إحدى الشركات البترولية، وكذلك بوش وعائلته يمتلكون واحدة من أهم الشركات البترولية وكذلك وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد الذي يمتلك واحدة من كبريات شركات السلاح.
وأضاف الغمراوي: أنه لكل ذلك ولمضاعفة الأرباح كان لابد من الحرب المختلقة والمستمرة ضد ما يسمى بالإرهاب ولذلك ارتفعت أسعار البترول لأعلى سعر في تاريخه واستفاد منه لوبي البترول، كما استفاد لوبي السلاح واستفادت منه الصهيونية العالمية ونجحت آلتها الإعلامية في تنفيذ مخططها الصهيوني القديم القائل «اضرب أعداءك بعضهم ببعض ليفنوا بعضهم بعضا وتبقوا أنتم لتحكموا الأرض باعتباركم شعب الله المختار».
ولفت الغمراوي إلى أن هذا ما تم استخدامه في الماضي ويتم استخدامه في المخططات الحالية والمستقبلية في تلك المنطقة المهمة من العالم في قلب آسيا. وقد حدث هذا من قبل أيضاً عندما ضربت الصهيونية العالمية الاتحاد السوفيتي بالمسلمين والعرب في أفغانستان وكان نتيجته انهيار الاتحاد السوفيتي ألد أعداء الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية العالمية وانفراد الولايات المتحدة السند القوي للصهيونية العالم بالهيمنة على العالم، وأوهمت المخابرات والإعلام الغربي أن الشيوعية خطر على كل الأنظمة العربية وأن وصولها لكابول يعني وصولها لمكة وهي أكبر أكذوبة ووقع فيها المسلمون ولو كان هذا حقا لكان تحرير القدس أفضل عند الله من تحرير كابول.
وتابع: إن الصهيونية العالمية واليهود وقفوا أمام إشعال النار في هذه المنطقة كما سعوا لإشعالها في الخليج بين العراق المدعومة من العرب وإيران ثم عادوا وأقنعوا صدام حسين بغزو الكويت ثم جاءوا ليحرروا الكويت وواصلوا مخططهم بتدمير العراق والقضاء على خيراته وثرواته».
إشعال العالم
وأكد أن المحافظين الجدد والصهاينة يحاولون إشعال مختلف مناطق العالم ليحققوا أرباحا وينفذوا مخططات «تلمودية» تستهدف في النهاية ابتلاع الفلسطينيين وإضعاف العرب والمسلمين حيث يأتي ما يحدث في باكستان وأفغانستان في إطار هذا المخطط بهدف الاستيلاء على القدس مروجين لأفكار تقول إن المسيح لن يعود ليملأ الأرض بالسلام والعدل، إلا إذا عادت دولة إسرائيل واستولت على أملاكها التي وعدها بها الله في كل الشرق الأوسط وأعيد بناء المعبد على أنقاض بيت المقدس.
وحول مدى تأثير تولي إدارة أميركية جديدة برئاسة باراك أوباما على تغيير السياسات الأميركية في منطقة وسط آسيا وتحديدا في باكستان وأفغانستان، قال السفير الغمراوي: إن تغير الإدارة الأميركية وما برز من سياسات لها خلال المرحلة القليلة الماضية يؤكد أن التغيير لن يكون محصورا في الولايات المتحدة فقط أو في توجهاتها في منطقة الشرق الأوسط وإنما سيمتد ليشمل العالم كله وهو ما ظهرت ملامحه الأولى في مؤتمر الأميركتين الذي عقد في ترينداد وتوباجو وإعلانه لاستخدام لغة الحوار في تعاطيه مع النظام الإيراني ودعوته لإشراك إيران في حوار ثلاثي باكستاني أفغاني إيراني.
ومن جانبه، أكد خبير الشؤون الأفغانية أيمن فايد على أنه لا يوجد أي اختلاف في التعاطي مع الأوضاع في باكستان وأفغانستان بين الإدارة الأميركية السابقة برئاسة جورج دبليو بوش والإدارة الحالية برئاسة باراك أوباما، مشيرا إلى أن أوباما ينفذ نفس أجندة بوش في وسط آسيا ولكن باستخدام قفاز ناعم يتكون من ثلاث أدوات وهي الدبلوماسية والاقتصاد والثقافة.
وأضاف: أن تاريخ الولايات المتحدة الأميركية يؤكد أنها لا تستخدم هذا القفاز الناعم إلا إذا كانت لديها نية لأي إشعال حرب كونية مثلما فعلت في الحربين العالميتين الأولى والثانية عندما أشعلت فتيل الحرب ودفعت بالدول المختلفة في أتون الحرب وبقيت هي تتابع من بعيد أو تشارك مشاركة هامشية».
وشدد على أن الولايات المتحدة تفعل نفس الشيء في هذه المنطقة باعتبارها قلب آسيا، مشيرا إلى أن إقليم وزيرستان كان تابعا في الأصل لأفغانستان وقام الاحتلال البريطاني بضمه إلى باكستان ويتمتع بحكم فيدرالي وقد كان هذا الإقليم يتمتع بقوة عالية جدا ولكنه الآن في أضعف حالاته، وكان هذا الأقليم قد طالب منذ حوالي 25 عاما بالانفصال عن باكستان ولكن الرئيس الباكستاني الراحل ضياء الحق نجح في احتواء هذه المطالب وعمد إلى إقامة بناء استراتيجي ضم مع بلاده أفغانستان وعددا من جمهوريات الاتحاد السوفيتي الإسلامية بحجة خلق حلف لمواجهة المد الشيعي ونجح في تذويب سكان وزيرستان بتزويجهم من الباكستانيين وممارسة الضغوط الناعمة لإخراجهم من إقليمهم وتوزيعم في أنحاء باكستان.
مخطط متكامل
ولفت فايد إلى أن التوترات في تلك المنطقة في غاية الأهمية ولا تهم أميركا أو أفغانستان وباكستان وإنما تعني العالم كله، وتابع: أنه من الواضح أن الإدارة الأميركية تخطط لنشوب حرب عالمية ثالثة لا تبقي ولا تذر تتخلص فيها من كل القوى الصاعدة والتي تشكل تهديدا للإمبراطورية الأميركية، حرب يشارك فيها العرب والصين والهند وباكستان وروسيا واليابان وغيرهم من القوى الصاعدة بهدف التخلص منها وخاصة الصين والهند واليابان مستخدمة «القفاز الحريري».
وقال: إن هذا المخطط الأميركي يستهدف أيضاً لفت انتباه الأطراف المختلفة من ساحة أخرى وهي القارة الإفريقية والتي تمثل الأمل الأميركي في إعادة الدورة الحياتية لإمبراطوريتها باعتبار القارة الإفريقية قارة بكر وتشهد تسارعا عربيا وصينيا لاستثمار خيراتها وثرواتها وتسعى أميركا لإخراجهم منها».
وخلص في النهاية إلى أنه لا اختلاف بين إدارة بوش وإدارة أوباما في التعامل مع مشاكل وسط آسيا وخاصة في باكستان وأفغانستان سوى الأسلوب فقط وإنما الأهداف واحدة لافتا إلى أن الإدارة الأميركية الجديدة تسعى في إطار السنة الكونية وتعاقب الدورات الاجتماعية التي تتسبب في انهيار الأمم والإمبراطوريات، لإعادة دورة حياتها للمرة الثالثة لضمان بقاء الولايات المتحدة الأميركية كدولة عظمى، وأنه لتحقيق هذا الهدف ليس أمامها إلا القضاء على منافسيها في آسيا واستغلال ثروات وخيرات إفريقيا.
القاهرة ـ «البيان»
