لم نكن مبالغين حينما استخدمنا تعبير «حمى أوباما» في وصف الاستقبال الجماهيري والرسمي على المستوى الدولي لنبأ فوزه بالانتخابات، وقد طور البعض هذا الوصف إلى الإشارة لما اعتبره «الظاهرة الأوبامية». ولم نكن ـ ومعنا الكثيرون ـ مبالغين حينما أشرنا وأشاروا إلى أنه يمثل متغيرا بالغ الجدة على الحياة السياسية الأميركية ليس للونه فقط وإنما لتوجهاته التي كشفت عن قدر كبير من المثالية على نحو جعلنا نعايش أجواء «المدينة الفاضلة» سواء كانت لأفلاطون أم للفارابي.
على الصعيد العملي، وعلى مدى المائة يوم الأولى من حكمه، لم يخيب الرئيس الأميركي الجديد ظن الكثيرين بشأنه وإنما راح، انطلاقا من المبادئ التي مثلت جوهر حملته الانتخابية وبدفع من الحماس والآمال التي علقت عليه، يتخذ من الخطوات والقرارات ما لقي الترحيب على مستويات عدة.. والأمثلة في هذا عديدة.. من لقاء شبه حميمي مع «العدو» شافيز.. إلى تدشين نهج جديد يقوم على المصالحة مع العالم الإسلامي.. إلى الإعلان عن إغلاق معتقل غوانتانامو.. إلى مساءلة المتورطين في التعذيب.. الخ. وقد رفعت هذه الخطوات شعبية أوباما ـ داخليا وخارجيا ـ في السماء إلى حد أن أوباما، حسبما أشارت «نيويورك تايمز»، تفوق في شعبيته على كل الرؤساء.
غير أنه بعد الأجواء الاحتفالية، والتي قد تكون طالت بعض الشيء، فإن محاولة التعاطي مع مواقف أوباما تستدعي الحكمة القائلة: راحت السكرة وجاءت الفكرة، وأنه من الصعب، في إطار علاقات دولية، أن يظل الأمر على ما هو عليه في إطار النوايا الحسنة وإنما يتطلب التحول بهذه النوايا إلى سياسات، الأمر الذي يمثل الامتحان الحقيقي لأوباما. لقد انفض العرس الاحتفائي بالرئيس الجديد وبدأ العالم يبحث عن الوقائع على الأرض.
فيما يتعلق بنا على صعيد عالمنا العربي والإسلامي، يمكن القول إن نهج المصالحة الذي تبنى الدعوة إليه ما زال يراوح مكانه ـ قد يعود ذلك في جانب منه إلى عدم قدرتنا على حسن التعاطي مع هذه الدعوة الأمر الذي أشارت إليه الكاتبة راغدة درغام وغيرها ـ ويدور في الإطار الشكلي الذي يلقى الترحيب كتعيين مسلمة (داليا مجاهد) في مجلسه الاستشاري الخاص بالأديان. على صعيد إيران بدأت عملية تخل تدريجي عن نهج الحوار لجهة التلويح بالعقوبات، على نحو لا يختلف كثيرا عن طريقة إدارة سلفه.
أما فيما يتعلق بالقضية المحورية للعلاقات العربية الإسلامية مع الولايات المتحدة وهى فلسطين، فيبدو أن إدارة أوباما لا تملك حتى الآن رؤية متكاملة تساير ما يمكن وصفه بثورة التوقعات التي فجرتها «الظاهرة الأوبامية». أما النهج الجديد لأوباما تجاه طالبان فقد بدا أنه نهج أكثر دموية إزاء ما وجد نفسه من أنه يواجه بدل الطالبان «طالبانين».. واحدة في أفغانستان وأخرى في باكستان! .
يجعلنا ذلك نقرر أن أوباما نجح مرحليا فيما فشلت فيه الإدارة الأميركية السابقة في مسعاها لتحسين صورة أميركا في العالم وخاصة العربي والإسلامي، والتي جرى توصيفها بمعركة «كسب القلوب والعقول»، وهى المهمة التي لم توفق فيها ثلاث سفيرات أميركيات هن مارجريت تاتوايلر وشارلوت بيرز وكارين هيوز. غير أن العالم يريد لأوباما أن يرتقي بمنصبه للمستوى الذي اختاره الشعب الأميركي لأجله لا أن ينخفض به إلى رتبة سفير! الأمر الذي يبقى مرتبطا بنجاحه المنقوص حتى الآن، فإذا كان بحق قد كسب قلوب الكثيرين، فإنه لم يحقق النجاح نفسه على صعيد كسب العقول.. وتلك هي المهمة الأصعب! .
