بدأ باراك أوباما حكمه بقسم خاطئ، صححه في اليوم التالي. هذه الصورة المترددة صارت متكررة. حكمه منذ اليوم الأول يتسم بالتردد، فهو يفعل الشيء ثم يتراجع عنه، ويقرر أمراً ثم ينقضه، وما بين الاثنين يتلاشى بريقه، وتفقد شخصيته ألقها.
في البداية قرر اوباما اقفال معتقل جوانتانامو، ووعد بإلغاء المحاكم العسكرية وتصفية مواقف المعتقلين فيه خلال عام، لكنه مؤخراً تراجع وقرر الابقاء على المحاكم العسكرية، مع اعتبار المعتقلين فيه مقاتلين أعداء، وهو بذلك سار حرفياً على نهج سلفه جورج دبليو بوش.
وقبل أسابيع أصدر أمراً بنشر صور التعذيب التي ارتكبها جنود أميركيون في سجن أبوغريب بالعراق، وفي المعتقلات الأميركية حول العالم، لكنه عاد الجمعة قبل الماضية وتراجع عن نشر هذه الصور، متعللاً بأن نشرها سيعرض حياة الجنود الأميركيين للخطر، وهي الحجة ذاتها التي كان يقولها سلفه بنفس الكلمات والصياغة. وقبل هذين التراجعيين كان قد أعاد منح المخابرات الأميركية سلطة اعتقال من تراه خطراً على الأمن القومي الأميركي، سيراً على سياسة الرئيس السابق.
ويقاس على ذلك أيضاً مواقفه الخارجية تجاه العديد من الملفات الدولية مثل العلاقة مع دول أميركا اللاتينية وروسيا والقضية الفلسطينية والأزمتين الأفغانية والباكستانية، والحبل على الجرار. اليوم يطالب أوباما العرب بما لم يجرؤ عليه بوش، فهو يدعوهم لتعديل مبادرة السلام العربية لتتجاوز الدول العربية إلى ضم الدول الإسلامية.
وفي أسلمة المبادرة رفع لأي حرج عن الدول العربية عند التفريط في القدس والمسجد الأقصى، وعند إهدار حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وهو الحق المنصوص عليه في المبادرة العربية، وفي القرارات الدولية. ويقود هذا الأمر بالتالي إلى التصالح والتطبيع بين إسرائيل وجميع الدول الإسلامية، هكذا بضربة واحدة، وهو بذلك يحقق لإسرائيل ما عجزت عنه طوال واحد وستين عاماً.
وهنا تحيط الريبة بدعوته المتكررة حول المصالحة مع العالم الإسلامي، وبمساعيه لمخاطبة المسلمين في الرابع من يونيو المقبل من القاهرة. ومن المدهش أن يدعو نفر من علماء الإسلام أوباما لكي يوجه دعوته من الأزهر الشريف، وهم يتناسون أنه ذهب إلى تركيا وخاطب العالم الإسلامي من دون أن يقدم شيئاً يمكن التأسيس عليه لبناء المصالحة المزعومة. كما يتناسى هؤلاء الربط بين الزيارة والدعوة إلى أسلمة المبادرة وتعديل نصوصها.
لقد كشفت حصيلة المئة يوم الأولى أن أوباما لم يحقق شيئاً داخل أميركا أو خارجها، فهو رئيس تنقصه الخبرة، ولا يمتلك من مؤهلاتها سوى لسان ذرب، لا يتوقف عن بيع الكلام لكل راغب في الاستماع، فهو حالة صنعها الإعلام الأميركي والأزمة الاقتصادية، وبدلاً من الأحلام التي تراود الكثيرين بأنه سيكون زعيماً من نوعية ابراهام لينكولن أو داعية إصلاح مثل مارتن لوثر كنج.
فإنه يتحول تدريجياً إلى رئيس تسيره المؤسسات ولا يسيرها، مما يعني أنه صار أسيراً للأجهزة التي سيرت من قبله جورج دبليو بوش، وصار أيضاً مرتهناً لجماعات الضغط في إيباك والبنتاجون وفي وول ستريت، وهي كلها مؤسسات دارونية متوحشة، لا يهمها سوى مصالحها التي توظف لها كافة مصادر القوة الأميركية ومنها كاريزمية أوباما. وهذا سر التضارب الذي تحول إلى سمة في قراراته، وتتسبب في تراجعاته المتتالية، وتأخذه وتأخذنا بعيداً عما وعد به.