الشائع منذ انتخابه، أن الرئيس أوباما قماشة جديدة مختلفة؛ وأنه مؤهل لاتخاذ القرارات الكبيرة. الشقّ الأول، لا جدال فيه. خلفيته، رؤيته، صدقيته، فضلاً عن حضوره وقدرته على التواصل؛ كلها تجعل منه شخصية متميزة. خاصة بالمقارنة مع سلفه. الثاني، له ما يبرره؛ في ضوء الرصيد الكبير الذي يتمتع به. فالثقة العالية التي يحظى بها، رفعت سقف التوقعات، على أساس أن بإمكانه الاقتحام من دون خشية سياسية.
لكن تجربة الأشهر الأربعة التي قضاها حتى الآن في البيت الأبيض، زعزعت هذا الاعتقاد. ولو بحدود. مستوى الاقتحام كان أقل من التوقعات. التراجعات، الداخلية والخارجية، صارت ملحوظة. غاب القرار النوعي المأمول، لصالح الحسابات السياسية السائدة. غلب الالتزام بالموروث، على الالتزام بالتغيير الذي وعد به وبالطرح الذي أعلنه.
والحالة الإسرائيلية صارخة، في هذا المجال. مقاربته لها، حتى الآن، كانت مخيبة. تراجعاته حيالها، كبيرة وناطقة. من رضوخه لاعتراض اللوبي الإسرائيلي على مرشحه لمنصب كبير مسؤولي الاستخبارات؛ إلى دور إدارته في إسقاط دعوى الإدعاء العام على اثنين من كبار مسؤولي اللوبي الإسرائيلي في واشنطن؛ بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. ثم إلى ترك نتانياهو، قبل أيام، يفرض الأجندة والأولويات على الإدارة.
صحيح أنه تمسك بطرح «حلّ الدولتين» الذي يشدّد عليه. كما طالب بضرورة وقف بناء المستعمرات في الضفة. لكن ذلك ليس بالخطاب الجديد. حتى بوش تحدث عن دولتين. ربما كانت نبرة أوباما أعلى وأشد. مع ذلك، الأسلوب الذي اعتمده لمفاتحة نتانياهو بالحل؛ مكّن هذا الأخير من الإمساك بالمبادرة؛ من خلال الملف النووي الإيراني. من هذا المدخل، غاص نتانياهو في استدراج عروض التطمينات والضمانات لإسرائيل.
كأنها هي التي تشكو من نقص في هذا الخصوص. أو كأنها هي المهدّدة بالخطر، في أمنها أو وجودها. نتانياهو ذهب للقاء الرئيس بمنطق سؤاله «ماذا تفعل إذا فشلت دبلوماسيتك وعقوباتك، فيما يخص إيران؟».
على حدّ ما قال آرون ميللر، الدبلوماسي الأميركي السابق والمقرب جداًّ من الدوائر الإسرائيلية.
غرق البيت الأبيض في بحث هذا الموضوع، سمح لنتانياهو بتبديل الأولويات وجعل موضوع السلام، مسألة تابعة وليس رئيسية. مسألة عائمة، تدور حول صيغة حكم ذاتي، وسلام اقتصادي؛ مع وعد ضبابي بالعودة إلى محادثات ترمي إلى تحقيق «عيش شعبين بسلام إلى جانب بعضهما». وقبل كل شيء عودة مشروطة «باعتراف فلسطيني بيهودية دولة إسرائيل».
الرئيس أوباما دعا نتانياهو إلى واشنطن لإقناعه بجدوى السلام وحلوله. كانت النتيجة أن الزائر المراوغ، نجح في تسويق ذرائعه وتحايلاته. رفض الالتزام بالدولة. حمل الرئيس اوباما على مطالبة العرب ب«عمل المزيد من أجل السلام». يعني بالتطبيع المسبق. كما حمل الرئيس على التداول في ملف السلام من خلال النووي الإيراني؛ وليس بالاستقلال عنه. بل جعله يلتزم بسقف زمني، آخر هذا العام، لاتخاذ قرار بهذا الخصوص.
الرئيس فشل في احتواء وتطويع نتانياهو، لأن مقاربته تقليدية. سبق وثبت عقمها. عطبها الأساسي يكمن في أنها تقوم على محاولة استرضاء وتوسّل إسرائيل. أميركا مسؤولة عن وصول القضية الفلسطينية إلى ما هي عليه. والواجب على قدر المسؤولية. وهذه توجب عليها اتخاذ قرار التصحيح، إبلاغه لنتانياهو وإلزامه بالتنفيذ. بمثل هذا القرار تولد «الدولة» ويدخل أوباما التاريخ. بخلافه يبقى رئيساً كغيره.
