قد نتفق أو نختلف مع ذلك التصنيف الذي نشرته مؤخراً مجلة «تايم» بشأن أكثر من 100 شخصية تأثيراً في أحوال العالم، وقد ننعى على المطبوعة الأميركية أنها لم تكد تفسح المجال، اللهم إلا ضمن حيز بالغ الضيق محدود لأهل الثقافة والحضارة والمشتغلين بالشأن العام من أبناء العالم العربي.

لقد طالعنا تصنيف «التايم» بأسماء شتى: بعضها معروف ولكن بعضها مجهول أو شبه مجهول قيل إن أصحابها من أهم الشخصيات المؤثرة في مقاليد عالمنا المعاصر ومقاديره. على هذا كله فقد توقفنا مليا مع ما نشرته المجلة لكي ننتقي من هذا «البانثيون» الذي احتفلت بشخصياته المئة عند 10 شخصيات فقط وجدنا ـ من باب التصور أو الاجتهاد ليس إلا ـ أنها قد تقع في دائرة اهتمام القارئ أو المواطن العربي.

نبادر لنوضح أن الاهتمام له بالطبع جانبه الإيجابي وجانبه السلبي: فنحن نهتم بالصديق.. الرفيق أو الظهير. ونحمد له رفقته أو تأييده ومؤازرته.. بقدر ما نهتم أيضاً بالخصم والعدو المناوئ.. تحسباً من شروره وتصدياً لما قد يبدر منه في حق الأمة أو الوطن من أحابيل ومؤامرات.

لهذا فقد جاء تصنيفنا للشخصيات العشر المنتقاة من قائمة «تايم» على الوجه التالي:

ـ مسئول واحد

ـ 3 علماء أو مفكرون

ـ 3 نساء شهيرات

ـ 3 أشرار

أوباما.. تواضع وتآزر

فأما المسؤول فهو «باراك أوباما» والنبذة المكتوبة عنه جاءت بقلم «جوردون براون» رئيس وزراء بريطانيا.. الذي شاء في سطوره أن لا يحكي عن سيرة حياة الرئيس الأميركي وقد باتت معروفة للقاصي والداني بل حكى براون عن دور أوباما في مؤتمر العشرين المعقود مؤخراً في لندن وكان أول مؤتمر دولي من نوعه يشارك فيه أوباما بصفته الرئاسية وكان أيضاً أصغر زعماء المؤتمر سناً بقدر ما كان أحدثهم منصباً.

ومن ثم كانت خشية الحضور من أن يسمعوا خطباً مدبجة أو محاضرات مطولة من الرئيس المستجد وقد كان ـ ولا غرو ـ أستاذاً جامعياً في كليات الحقوق. كان الخوف ـ كما يشير براون ـ من أن تحاول أميركا أن تعظ العالم بدلاً من أن تخف إلى قيادته وسط أنواء الأزمة الاقتصادية الحالية.. ولكن المفاجأة هي حديث الرئيس الجديد القادم من واشنطن محفوفاً بفضيلة التواضع ورغبة التآزر والمشاركة وتأكيد الثقة في المستقبل. لكن أفضل ميزة رصدها براون مع شهود المؤتمر المذكور كانت قدرة أوباما على الإصغاء الطويل والصبور أيضاً لما يسمعه من الآخرين.

أما العلماء المفكرون فكان أولهم في قائمة «تايم» هو «نوريل روبيني» الذي ولد في تركيا وعاش في إيران وإيطاليا ومن ثم أميركا، ومن عجب أن الرجل لا يحظى بشهرة ذائعة ولم تردد اسمه وآراءه المجامع الدولية إلا في الآونة الأخيرة.. لماذا؟ لأنه كان أول من تنبأ محذراً بأن ثمة أزمة مالية واقتصادية في طريقها إلى أن تصبّ جام غضبها على رأس أميركا وبقية العالم من حولها.

النبذة المنشورة عن روبيني كتبها البروفيسور «بول كروغمان» الذي يعد حالياً في طليعة علماء الاقتصاد في أميركا والعالم.. واستهلها مشيداً يقول بأنه فيما كانت قيادات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) تطمئن الناس في السنتين الأخيرتين على متانة الاقتصاد ـ كان ثمة أستاذ متخصص في علم الاقتصاد الكلي (ماكرو ـ اقتصاد) في أواخر الأربعينات من عمره اسمه روبيني يحذر من فقاعة كبيرة يتهدد انفجارها جماعة الاقتصاد والمال والأعمال في بورصات «وول ستريت».

كان الرجل قد وعي دروس الأمة المالية التي سبق وأطاحت بمجموعة «النمور الآسيوية» في عام 1997 وبعدها ظل يحذر من آفة الانسياق وراء تضخيم القروض العقارية في أميركا.. ولا حياة لمن تنادي إلا حين اضطر القوم إلى الاعتراف بأنه كان ـ رغم كل شيء على حق.

أخيراً يتساءل صاحب النبذة التي أشرنا إليها: هل هو كاسندرا؟ (وهي العرّافة ـ قارئة المستقبل في تراث الغرب وتوازيها زرقاء اليمامة في تراثنا اليعربي).. والإجابة: نعم، روبيني أشبه بكاساندرا.. التي لم تجد أحداً يستمع إلى تحذيراتها..

كروغمان.. الوضوح والسلاسة

المفكر الثاني هو البروفيسور «كروغمان» شخصياً.. وهو يطالع قارئيه كل أسبوع بمقالة رصينة في «نيويورك تايمز» وقد تسامع العالم باسمه بعد حصوله على جائزة نوبل الرفيعة في الاقتصاد عام 2008.

يصفه متابعوه بأن أفضل مزايا كتاباته هي الوضوح والسلاسة في عرض قضايا الاقتصاد بحيث تصبح مفهومة مستساغة لدى غير المتخصصين وهو يضيف إلى هذا الوضوح الفكري نزعة عملية تربط بين نظرية الاقتصاد وبين تطبيقها في واقع حياة الناس. وهو حالياً حريص على تحذير إدارة أوباما من الإسراف في ضخ أموال في شرايين البنوك والمؤسسات المالية بما قد ينجم عنه أعباء فادحة في المستقبل على كاهل دافعي الضرائب.

أما آخر المفكرين فهو سيدة.. من افريقيا هذه المرة.. وربما نكون قد عرضنا لاجتهاداتها في سطور سبقت من هذه الزاوية.. اسمها «دامبيسا مويو» وتحمل لقب مفكر ـ أو مفكرة ـ في مجال المعونة الأجنبية وتنتمي إلى جيل افريقي شاب درس في جامعات الغرب ولكنه ما زال ينتمي إلى قارته ـ الأم ـ ويعايش معاناة شعوبها بعد أن أدرك أفراد هذا الجيل من «الانتلجنسيا» الافريقية الواعية كيف أدت المعونات الأجنبية إلى إفساد الحكومات وخراب ذمم المسؤولين دون أن تعود على الشعوب سوى بالنذر اليسير من الجدوى.. بل أنها أدت إلى تعطيل، ومن ثم تدمير الهياكل الأساسية لتطوير تلك الشعوب على أساس العمل والتنمية المستقلة المعتمدة على الذات.

لهذا أصدرت الدكتورة مويو ـ وهي أصلها من زامبيا كتابها الذي تسامعت به المجامع الاقتصادية والإنمائية بعنوان «موت المعونة» داعية إلى رفض المعونات من باب الإحسان إلى افريقيا ومؤكدة على أهمية الاستعاضة عنها ببناء شراكة للاستثمار الحقيقي والتنمية الحقيقية بين افريقيا وأطراف المعونة.. سابقاً.

ميشيل.. الأم الأولى

بعدها يأتي دور النساء البارزات.. أو الناشطات أو المكافحات وجاء على رأسهن كل من السيدة «ميشيل» قرينة الرئيس الأميركي أوباما وقد كتبت نبذتها سيدة ملونة أخرى هي نجمة التلفاز «أوبرا وينفري» وقد أحسنت عندما فضلت وصفها بأنها «الأم الأولى» إشارة إلى رعايتها لبنتيها قبل «السيدة الأولى» في البيت الرئاسي الأبيض الذي دخلت أبوابه ومن ورائها قصة كفاح لفتاة افريقية الأصل.. لكنها شقت طريقاً محفوفاً بالأشواك كي تدرس وتتفوق وتدفع بزوجها في إطار من رفقة حياة وزمالة مهنة القانون إلى أعلى الدرجات.

من الطريف أن تضيف أوبرا وينفري قائلة: السيدة الثانية اسمها «ثريا باكزاز» قد لا يعرفها الكثيرون في العالم العربي. ولكنها امرأة فولاذية كما قد نسميها من بلاد الأفغان. نالت جائزة الشجاعة الدولية كامرأة عام 2008 تقديراً لتأسيسها منظمة «صوت المرأة» التي تتولى حماية المرأة الأفغانية من الظلم والاستهانة والتمييز المجحف وإهدار ما لها من حقوق الإنسان التي يقرها الدين الحنيف..

ولا تقتصر الحماية ـ كما تشير مجلة «تايم» على مجرد تأمين المأوى أو التزويد بالمعونات بل الأهم هو كفالة سبل العمل الشريف وكسب الرزق الحلال أمام النساء اللاتي لا عائل لهن أو المسؤولات عن إعالة الأسرة أو العيال. تلقت ثريا باكزاز تهديدات بالقتل.. وعاينت مأساة زميلات لها واجهن هذا المصير.. لكن إيمانها بقضايا المرأة في بلادها ما زال يشكل قوة دافعة لها على هذا الطريق.

نورا الفائز.. والتغيير السعودي

أما السيدة الثالثة في هذا الاستعراض فهي الأستاذة نورا الفايز التي تَسَامع العالم بتعيينها مؤخراً في منصب نائب الوزير المسئول عن تعليم المرأة في المملكة السعودية الشقيقة. كتبت الدبلوماسية الأميركية ليز تشيني (وهي ابنة نائب الرئيس السابق ديك تشيني) موضحة أن مثل هذه التغييرات في السعودية لها دلالة كبيرة، وأن تعيين السيدة نورا الفايز لقي ترحيباً واسعاً من دعاة التغيير أو الإصلاح بالمملكة، خاصة وأن تعليم البنات (ومن ثم تثقيف وتوعية المرأة العربية المسلمة) قضية مطروحة باستمرار على أجندة الإصلاح في ذلك الجزء من العالم. صحيح أن الطريق ليس مفروشاً بالورود.. لكنه طريق انفتحت معالمه في كل حال.

أخيراً تأتي إلى خانة الأشرار أو الأوغاد الذين لا يخلو منهم أي مجال في واقع حياة الناس حتى ولو كانت قائمة أشد الشخصيات المئة تأثيراً في العالم: أول الأشرار اسمه أفيغدور ليبرمان. كتب نبذته «بني بوريس» أستاذ التاريخ الذي كان يكتب بشكل معقول.. منصف أحياناً حين كان ينتمي إلى مجموعة المؤرخين الجدد في إسرائيل، وذلك قبل أن يتحول إلى التعصب المقيت في التعامل مع وقائع التاريخ: كان بديهياً أن يشير موريس إلى انتماء «ليبرمان» وزير خارجية إسرائيل الجديد إلى الجناح اليميني (الصهيوني المتعصب) وأن يستعيد العبارة الخطيرة التي رددها يوم أول أبريل الماضي قائلاً: إذا أردت السلام.. فاستعد لشن الحرب.

وبعدها أعلن ليبرمان تحلل إسرائيل من أي اتفاقات سبقت بشأن قيام الدولتين حلاً لقضية فلسطين. عمره 50 سنة وهاجر إسرائيل من 21 سنة فقط من مسقط رأسه في مولدوفا بشرق أوروبا.. ويعترف المؤرخ موريس بأنه رغم منصبه الجديد فهو مطارد باتهامات تلاحقه بالفساد مضيفا أنه في مقدمة دعاة توجيه ضربة استباقية (إجهاضية) لتدمير المرافق النووية في إيران.

وفي ضوء مثل هذه المواقف ـ التي يشاركه فيها كل من نتانياهو رئيس الوزراء وإيهود باراك وزير الدفاع.. يختم بني موريس هذه النبذة عن ليبرمان بعبارات تقول في إيجاز شديد: لكن في ضوء اتجاه (الرئيس) باراك أوباما إلى ترضية العالم الإسلامي والتحادث مع إيران.. نجد أن ثمة أسساً لصدع قد يحدث بين إسرائيل وأميركا. الشرير الثاني إعلامي هذه المرة واسمه «روش لمبو» وربما يعد أشهر مذيع راديو في أميركا.. وقد يستمد شهرته أولاً من هذا التمسك أصلاً بميكرفون الإذاعة المسموعة في زمن التليفزيون والبودكاست والإرسال الرقمي والالكتروتيوب على شبكات الحاسوب..

ولعل السبب هو أن الراديو يخلق صلة حميمة بين المتحدث والمستمع، فما بالك والمذيع الأميركي «روش لمبو» يمطر مستمعيه بصواعق بصوت جهوري نافذ من النقد الجارح والتنديد الصارخ منطلقاً من موقف التعصب للبيض وضد الملونين وضد المهاجرين وضد دعاة العدل الاجتماعي، ومهاجماً ناقديه بأسلوب لاذع القسوة وإن كان يحسب له ـ كما تشهد قائمة مجلة «تايم» ـ بأن ولاءه المتواصل للمذياع أدى إلى تعزيز دور الإرسال المسموع والحفاظ على مكانة الراديو رغم منافسيه الأحدث والأكفأ من آفة الانحسار وربما الاندثار.

مادوف.. السوبر ـ محتال

شخصية الختام تسامع العالم باسمها من كل حدب وصوب.. وقد يقف المرء متأملاً أمام ما عمد إليه محررو «التايم» من اختيار الاسم الذي بات ممقوتاً في أميركا والعالم بعد أن أصبح صاحبه علامة على جرائم النصب والغش والتدليس والاحتيال.. أو هكذا سيدخل تاريخ جريمة الياقات البيضاء كما قد تسميها مواطن أميركي اسمه «برني مادوف».

ويلفت النظر إلى أن كاتب نبذة هذا السوبر ـ محتال هو السينمائي «مايكل مور» المخرج الذي طالما تسامع الناس بأفلامه التي ظلت تسلق الرئيس السابق بوش وتصرفات إدارته بألسنة حداد. وبأسلوبه الساخر يشير «مور» إلى أن مادوف كان يعرفه المتعاونون معه بأنه «عبقري» وأن مادوف ثاني واحد يجسد نهاية الرأسمالية في حين أن الأول اسمه باراك أوباما.

وأن مادوف يبدو وهو لا جناح عليه فيما سرق.. ونهب، لأنه سرق 65 مليار دولار من ناس هم أغنياء في الأساس ولهذا فهم حاقدون عليه وينددون بسلوكه إذ كان واجبه أن يسرق من الفقراء أصلا (!) أو كان عليه أن يضفي المشروعية القانونية على سرقاته هذه على نحو ما فعل بارونات ومديرو وول ستريت حين نهبوا وأحاطوا ما نهبوه بسياج من القانون.

ثم يمضي المخرج «مور» خطوة أبعد في سخريته الممزوجة بالمرارة يقول: عندما طلبوا مني كتابة نبذة عن «مادوف» تساءلت: لماذا نخصه وحده بهذه الفئة (من المحتالين والنصابين).. وأين الذين تجاوزوا كل الحدود من أباطرة وول ستريت؟ وأين أعضاء الكونغرس الذين وضعوا القانون الذي أتاح لهم هذا التجاوز؟ وأين الرئيس الذي وضع توقيعه على مثل هذه القوانين؟ بل أين زبائن وعملاء مادوف أنفسهم وكيف تصوروا ثم تقبلوا ما كان يعطيه لهم من عائدات طائلة غير قابلة للتصديق؟ تساؤلات تذهب بنا بعيداً.. والأفضل أن تكف عنها وتكتفي بأن تشمل القائمة اسم برني مادوف.

بقلم: محمد الخولي