يستذكر اللاجئون الفلسطينيون يوم الخامس عشر من مايو من كل عام تاريخ معاناتهم ومأساتهم التي كلفتهم ولاتزال الكثير من الدماء والشهداء والجرحى والمعاقين بعد قيام إسرائيل على أنقاض مدنهم وقراهم. وفي الذكرى الحادية والستين لنكبة فلسطين ينظر اللاجئون الفلسطينيون بعين اللوعة والحرمان لمدنهم وقراهم التي هُجروا منها بعد مئات المجازر التي قامت بها العصابات الصهيونية ضدهم من أجل إعلان قيام دولة إسرائيل تنفيذاً لمقولة الزعيم الصهيوني تيودور هرتزل «فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
وعلى الرغم من موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في الحادي عشر من ديسمبر عام 1948 وبغالبية كبيرة ضمت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية على القرار 194 الذي نص في بنده الحادي عشر على ان الجمعية العامة «تقرر وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر».
إلا ان القرار لم يجد طريقاً إلى التنفيذ حتى الآن بسبب رفض إسرائيل، بل ان هذه الأخيرة لا تكتفي برفض القرار وإنما تستمر في حرب لا هوادة فيها ضده في كل الساحات وتشترط لإقامة سلام مع الفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلغاء وشطب حق العودة وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول التي لجأوا إليها.
حالة استنفار متواصلة
في المقابل لا يجد الفلسطينيون مناصاً عند كل هجوم إسرائيلي من التأكيد على حق العودة مع استنفار قواهم للدفاع عنه وتأكيد قدسيته والتمسك به بوصفه من الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرف كما نصت على ذلك قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومع التوقيع على اتفاقات أوسلو وما تلاها من اتفاقات انتظم اللاجئون الفلسطينيون في لجان وحركات وحتى منظمات مهمتها الوحيدة الدفاع عن هذا الحق وتأكيد التمسك به ورفض أي مساس به أو محاولة طمس له.
كما جاء في البيانات الصادرة عن الندوات واللقاءات والمؤتمرات التي عقدت لهذه الغاية في العديد من المدن والعواصم الفلسطينية والعربية والأجنبية الأمر الذي يؤدي إلى دعم التوجهات الفلسطينية من أجل تطبيق القرار 194 حسب ما أكد ل«البيان» الباحث الفلسطيني نبيل السهلي.
ويعتبر السهلي إنشاء لجان خاصة بحق العودة «ظاهرة إيجابية في دعم التوجهات الفلسطينية لإحقاق الحق الفلسطيني وخاصة حق العودة المتمثل بتطبيق القرار 194 والذي تم التأكيد عليه في أكثر من خمسين قراراً أممياً».
وحول عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين لجأوا إلى سوريا في العام 1948 والزيادة السكانية التي أصبحوا عليها اليوم، قال السهلي «في عام 1948 اضطر 85 ألف فلسطيني للجوء إلى سوريا بعد ان طردت العصابات الصهيونية في العام المذكور 850 ألف فلسطيني من الجليل ومن الساحل ومن الوسط الفلسطيني وتركز معظم اللاجئين الفلسطينيين في سوريا في دمشق بسبب عامل الجذب الاقتصادي وتوزع الآخرون على المحافظات السورية الأخرى، ويقدر مكتب الإحصاء الفلسطيني بدمشق ان عدد اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وصل في عام 2009 إلى 463 ألف لاجئ فلسطيني».
خصوبة المرأة الفلسطينية
وأضاف السهلي ان «خصوبة المرأة الفلسطينية اللاجئة في سوريا تصل إلى نحو 5 خمسة مواليد طيلة حياتها الإنجابية ويعتبر مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا مجتمعاً فتياً تبعاً للمعدلات السائدة فنحو 43 بالمئة من مجموعة اللاجئين هم من الأطفال دون الخامسة عشرة»، موضحاً ان «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا تنتشر في العشر مخيمات المعترف بها بسوريا وثمة مخيمات غير معترف فيها من قبل الأونروا ومنها مخيم اليرموك في دمشق الذي يضم نحو ثلث مجموع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا».
ويقول السهلي إنه «بعد مرور 61 عاماً على النكبة يوجد في سوريا نحو عشرة بالمئة من مجموع اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في سجلات الأونروا، مشيراً إلى انه «بالإضافة إلى العدد المذكور للاجئين الفلسطينيين في سوريا هناك نحو 53 ألف فلسطيني من نازحي 1967 من الضفة الغربية وقطاع غزة وأوضاعهم المعيشية تعتبر متدنية لأنهم لا يدخلون سوق العمل مثل اللاجئ الذي لجأ إلى سوريا عام 1948 وهم غير مسجلين لا في مؤسسة اللاجئين ولا في سجلات الأونروا في دمشق».
وحول المسؤولية التي تتحملها إسرائيل تجاه مأساة اللاجئين الفلسطينيين قال المحلل السياسي الفلسطيني حمد موعد لـ «البيان» «لدينا كم هائل من الشهادات التي قدمها باحثون عرب وإسرائيليون وبريطانيون وأجانب محايدون وموثقة علمياً تؤكد بما لا يقبل الشك مسؤولية كل من بريطانيا وإسرائيل عن النكبة وهذه المسؤولية الجزائية يعترف بها بعض الصهاينة وان كان هذا الاعتراف بالنسبة إليهم لا يمثل التزاماً بحل المشكلة أو إعادة الوضع إلى ما كان عليه أو بإنصاف الضحية».
تعنت إسرائيل واضح
ويوضح موعد «الآن هنالك شبه إجماع داخل المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة وغير الحاكمة وكل القوى الصهيونية على رفض حق العودة وعلى عدم إعطاء الفلسطينيين في داخل 1948 حقوقهم وهذا سيحول إسرائيل إلى مشيخية صهيونية يهودية تعيش في القرن الحادي والعشرين وتجسد أفكار ما قبل أربعة وعشرين قرناً يتحكم فيها الأموات بإرادة الأحياء ويفرض على اليهود ان يعيشوا وفقاً لوصايا وتطلعات الحاخامات المرتدين اللباس الديني أو الحاخامات الذين يرتدون لباساً عصرياً على طريقة ليبرمان ونتانياهو والفرق ما بين هذا الحاخام وذاك هو فرق في الرطانة وفي الشكل وليس في المضمون».
ويضيف موعد «انطلاقاً من هذه المشيخية ستتحول إسرائيل إلى نظام أبارتيد وإلى نظام عنصري يقسم الناس فيه إلى قسمين قسم له امتيازات وحقوق لانتمائه الديني والعرقي وقسم يحرم من الحقوق لعدم انتمائه عرقياً إلى الفئة الحاكمة والآن يمارس الاضطهاد العرقي العنصري على الفلسطينيين وبعد فترة ستنجر فئات يهودية أخرى إلى هذه الشريحة وهذا سيؤشر انه في مرحلة معينة سيكون النضال الوطني التحرري الفلسطيني وغير الفلسطيني ضد الصهيونية هو نضال ضد الأبارتيد وعندما يتحول النضال إلى نضال ضد الأبارتيد وإذا انتصر هذا النضال فلا مجال لضمان حل الدولتين وستقوم دولة واحدة لكل ساكنيها بحقوق متساوية».
ورداً على سؤال فيما إذا كان اللاجئون الفلسطينيون قد تضاءل تمسكهم بحق العودة يقول موعد ان «الفلسطينيين كشعب لم يتخلوا عن حق العودة ولم يسقطوا حق العودة من مكونات شخصيتهم لسبب الانتماء إلى الأنا الجمعية الفلسطينية في الشتات وفي أراضي الـ 1967 و1948 والعمود الفقري لهذا الانتماء هو حق العودة والعمود الفقري لعملية تمييز الفلسطيني لنفسه عن الآخر العربي الذي يعيش بين ظهرانيه هو تمسكه بحق العودة والأكثر من هذا كله إصرار الفلسطيني على بعث ذاكرته وتنميتها وتطويرها وبرمجتها ونشر مكنوناتها وإطلاع العالم عليها.
كما يتجلى ذلك أيضاً من خلال إصراره على حق العودة ولذلك تجد عملية التمسك بحق العودة الآن تتبع أشكالاً علمية متطورة لم تكن تظهر في الستينات والسبعينات وحتى في الثمانيات وهذا يتجلى من خلال الكتب التي صدرت عن القرى الفلسطينية المدمرة رغم كل ما يعتريها في المنهج العلمي والمعلومات والوثائق والأفلام التوثيقية التي صدرت خلال الفترة الماضية عن القرى الفلسطينية المدمرة وعن حكايات النكبة وعن معاناة اللاجئين الفلسطينيين، والدراسات التي تمت عن تجمعات اللاجئين الفلسطينيين خلال السنوات العشر الأخيرة لم يظهر مثيلاً لها خلال الخمسين عاماً الماضية.
تطور الاهتمام باللاجئين
ففي سوريا قبل عشر سنوات لم يكن لدينا أي دراسة على الإطلاق عن اللاجئين الفلسطينيين الآن لدينا عشرات الدراسات. أضف لذلك الآن على صعيد الرأي العام العالمي هناك فئات أكاديمية وجامعات كبرى بدأت تعرف الكثير جداً عن المعاناة الفلسطينية وعن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وعن ارتباطاتهم بوطنهم وبدأت تدرسها بشكل أكاديمي ولا تستطيع ان تقفز عنها ولم يعد الفلسطيني اللاجئ مجرد رقم في سجلات الأونروا».
ويختم موعد بالقول ان «المطلوب شيء واحد وهو ان على العقل الفلسطيني ان يرتفع ليدرك الحقيقة التالية إذا أردتم يا فلسطينيين البقاء على قيد الحياة لا يمكن استمرار الانقسام والتشرذم ولدينا من الخبرة ما يكفي ولدينا من القوة العقلية والمعرفية والعلمية ما يكفي لكن بكل أسف النتائج المعاكسة التي تأتي من خلال الانقسام والاحتراب واستعمالنا من قبل البعض كأوراق للعب، وبكل أسف بقدر ما لدينا مقاتلين أبطال وبقدر ما لدينا مفكرين ومبدعين لدينا أناس يجيدون تدمير الذات».
بدوره قال رئيس الجمعية الفلسطينية السورية لحق العودة إبراهيم الشهابي لـ «البيان» ان «على المرء عندما يريد ان يتذكر ذكرى ما يجب ان يتذكرها مع الانتفاع بالدروس التي استفادها من تلك الذكرى إلا اننا نبدو بعد إحدى وستين سنة من النكبة لم نتعلم الدروس ولم نستوعبها»، ويتساءل الشهابي «هل من المعقول قبل ان نستقل ننقسم إلى دولتين ونتبادل المهاترات ونحن ما زلنا تحت بساط الاحتلال».
ويتحدث الشهابي عن تجربة الجمعية السورية الفلسطينية لحق العودة ويقول «نحن في هذه الجمعية ركزنا اهتمامنا على توعية الجماهير من خلال بيان أهمية حق العودة والتمسك به ورفض المحاولات الإسرائيلية لطمسه وإلغائه، أما على الصعيد الخارجي فقد وضعنا خطة لإقامة دعاوى على إسرائيل تبدأ من وجود إسرائيل كعضو في الأمم المتحدة وعدم شرعية كيانها ووجودها حتى نصل إلى جرائم الحرب التي قامت بها منذ النكبة وحتى الآن وآخرها ما حدث في غزة».
إضاءة
حول المسؤولية التي تتحملها إسرائيل تجاه مأساة اللاجئين الفلسطينيين قال المحلل السياسي الفلسطيني حمد موعد لـ «البيان» «لدينا كم هائل من الشهادات التي قدمها باحثون عرب وإسرائيليون وبريطانيون وأجانب محايدون وموثقة علمياً تؤكد بما لا يقبل الشك مسؤولية كل من بريطانيا وإسرائيل عن النكبة وهذه المسؤولية الجزائية يعترف بها بعض الصهاينة وان كان هذا الاعتراف بالنسبة إليهم لا يمثل التزاماً بحل المشكلة أو إعادة الوضع إلى ما كان عليه أو بإنصاف الضحية».
دمشق ـ أحمد كيلاني
