في مثل هذا اليوم من عام 1949، انشطرت ألمانيا رسمياً بعد أن أعلن عن تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية التي عرفت على مستوى العالم باسم ألمانيا الغربية. ولد هذا الشطر الغربي نتيجة لما أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية، يقابله الشطر الشرقي الخاضع للهيمنة السوفييتية.

ألمانيا تاريخيا وبالتحديد قبل القرن التاسع عشر، شكلت جزءاً مركزياً في الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة التي دامت حتى عام 1806. كانت تتكون من العديد من الإمارات المتفرقة، إلى أن قرر الزعيم بسمارك استخدام الدبلوماسية والعسكرية البروسية لتحقيق الوحدة الألمانية لأول مرة. واستثنى النمسا من الاتحاد لرغبته في أن تكون بروسيا هي أقوى الأعضاء وأكثرهم نفوذا في الأمة المتحدة الجديدة.

كان بسمارك شغل رئيس وزراء بروسيا من عام 1862 حتى عام 1890. وكان أيضا مستشار الاتحاد الشمالي الألماني. ووحد الولايات الألمانية في مملكة واحدة سميت «المملكة الألمانية» أو «الرايخ الألماني الثاني» والذي كان أول مستشار له بعد قيامه في عام 1871. واشتهر بسمارك بلقب المستشار الحديدي. وأثرت أفكاره على السياسة الداخلية والخارجية لألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر.

ظلت ألمانيا موحدة، بل ومتماسكة إلى أبعد الحدود خاصة في عهد الرايخ الثالث، عهد النازية الهتلرية الذي انتهى بتقسيم البلاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية. حول هتلر ألمانيا إلى قوة عسكرية، أدت في النهاية إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية وانتهت الحرب بهزيمة مدوية لألمانيا وانقسامها إلى دولتين.

وفي حين نجح السوفييت المنتصرون في الحرب الثانية في الاستحواذ على الشطر الشرقي من ألمانيا واحتلال أجزاء من برلين، اتفق الحلفاء على تأسيس ألمانيا جديدة ـ أي ألمانيا الغربية ـ وتم يوم 23 مايو 1949 تقسيم ألمانيا إلى مناطق نفوذ، شكلت إحداهما جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وهي ما عرف بألمانيا الشرقية والتي أصبحت منذ 7 أكتوبر 1949 واقعة تحت منطقة النفوذ السوفييتي.

أما القطاعات الغربية التي كانت تحت سيطرة الغرب المنتصر، فشكلت ما عرف بجمهورية ألمانيا الاتحادية وهي ما عرفت بألمانيا الغربية. وهذا التقسيم قسم برلين إلى برلين الغربية وبرلين الشرقية. واتخذت ألمانيا الشرقية من برلين الشرقية عاصمة لها، بينما اتخذت ألمانيا الغربية بون عاصمة لها. وكان هدف الخطة القضاء على أية محاولة لتوحيد القوى الألمانية من جديد. إلا أن الحرب الباردة زادت الهوة بين الشطرين.

على مدى سنوات فصلت جمهورية ألمانيا الاتحادية عن جارتها الشرقية بجدار حديدي وهو سور برلين.

وشهدت ألمانيا الغربية تطورا اقتصاديا هائلا في بداية الخمسينات وانضمت إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو» عام 1955 وأصبحت عضوا مؤسسا في الجماعة الأوروبية عام 1958.

وكان كونراد أديناور هو أول مستشار لجمهورية ألمانيا الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية (من 1949 إلى 1963). تولى المستشارية عندما كانت بلاده خارجة للتو من أتون الحرب، وكانت ألمانيا ترزح تحت سيطرة القوات الأجنبية المنتصرة في تلك الحرب. يعود الفضل لأديناور مع خلفه لودفيج إرهارد، الذي كان يشغل حينها وزير المالية والاقتصاد، في تحقيق النهضة الاقتصادية التي شهدتها ألمانيا بعد الحرب والتي عرفت بالمعجزة الاقتصادية.

وكان خليفته إرهارد هو الذي يوصف بأبي المعجزة الاقتصادية الألمانية، إلى حد أنه كان يلقب بالسيد مارك، نسبة إلى المارك الألماني. ورغم انجازه الاقتصادي التاريخي، لم يستمر إرهارد سوى ثلاث سنوات في منصب المستشار (من 1963 إلى 1966)، حيث اضطر للاستقالة من منصبه بعد انهيار التحالف الحاكم مع الحزب الليبرالي آنذاك. وجاء بعده كورت جورج كيسنجر حتى عام 1969، وكان أول مستشار يشكل حكومة تحالف سياسي من الحزبين الكبيرين، الديمقراطي المسيحي والاشتراكي الديمقراطي.

فيما بعد وعلى مدى خمس سنوات، حكم ألمانيا الغربية أول مستشار من الحزب الاشتراكي الديمقراطي يتولى منصبا. وهو صاحب مبدأ «الاتجاه شرقا». ففي عهده تم توطيد العلاقات مع أوروبا الشرقية. ولفت برانت أنظار العالم من خلال ركوعه على ركبتيه أمام نصب تكريم ضحايا غيتو وارسو معبرا وبلا لبس عن اعتذار ألمانيا عن الجرائم التي ارتكبت في عهد النازيين. وفي عام 1971 حاز جائزة نوبل للسلام. ولكنه اضطر إلى الاستقالة بعد انكشاف فضيحة تجسس لصالح ألمانيا الشرقية، كان بطلها أحد معاونيه.

في 3 أكتوبر 1990 توحدت ألمانيا من جديد وصارت برلين مرة أخرى عاصمة للدولة الموحدة. تم ذلك في عهد المستشار هيلموت كول (1982 إلى 1998). وكانت إعادة توحيد شطري ألمانيا وتبني برنامج إعادة بناء واعمار الجزء الشرقي من البلاد من أهم انجازاته التاريخية مضافا إليها بصمته الواضحة في إرساء دعائم البيت الأوروبي. إذ بعد الوحدة، لعبت ألمانيا دورا ناشطا في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وأرسلت قوة إلى البلقان لحفظ السلام، كما أرسلت جنودا ألمان إلى أفغانستان كجزء من دورها وجهودها في الناتو.

عدد سكان ألمانيا حوالي 82 مليون نسمة وهي تعتبر الدولة الأكثر كثافة بالسكان في دول الاتحاد الأوروبي. تبلغ مساحتها 357021 كلم مربع وتعد ألمانيا الآن صاحبة أقوى اقتصاد في أوروبا، وهي ضمن الخمسة الكبار اقتصاديا على مستوى العالم.