ما بين 27 أبريل الماضي و22 مايو الجاري (أمس) عاش اليمن حالة من الاستنفار والتوتر على خلفية الصراع على مسيرة الوحدة بين شطريه الشمالي والجنوبي. فإزاء ما تراه العديد من المظالم قررت القوى التي تطلق على نفسها «الحراك الجنوبي السلمي» بدء تحركها في 27 أبريل متخذة من هذا التاريخ الذي يصادف الذكرى (15) للحرب الأهلية في اليمن (1994) مناسبة لما وصفته باستعادة دولة الجنوب، ومحاولة العودة بالبلاد إلى ما كانت عليه قبل الوحدة في 22 مايو 1990 والذي يصادف أمس ذكرى مرور 19 عاما عليه.
كان المؤشر على توتر الأوضاع في جنوب اليمن ما شهدته البلاد من احتجاجات عنيفة خلال الأسابيع القليلة الماضية في ثلاث محافظات جنوبية بين محتجين مناوئين للحكومة وقوات الأمن وهو ما تسبب في مصرع وإصابة عشرات الأشخاص سواء بين المتظاهرين أو قوات الأمن، حيث أسفرت عن مقتل سبعة أشخاص في إقليم لحج وحده منهم أربعة جنود على الأقل هاجمهم مسلحون قرب مدينة عدن. واكتسبت هذه الاحتجاجات مغزاها جراء القيام بها بناء على دعوة من أنصار الانفصال.
شبح الحرب الأهلية
والسؤال الذي يفرض نفسه هو إلى أي حد تلقي هذه التطورات بتأثيرها على الوحدة اليمنية؟ وهل يمكن أن تنجح فيما فشلت فيه الحرب الأهلية التي جرت عام 1994؟ وهل تستطيع قوى الحراك الجنوبي اجتذاب الأضواء إليها والسير بخطى سريعة على طريق تحقيق أهدافها؟
هذه محاولة لقراءة سريعة من واقع الأحداث الأخيرة تسلط الضوء على ما يمكن أن تؤول إليه الأمور بشأن الوحدة.
قد يكون من غير العسير الإجابة بالنفي بشأن إمكانية أن تؤدي التوترات الأخيرة إلى الانفصال، والتأكيد في الوقت ذاته وعلى أن مسيرة الوحدة ستتواصل، غير أن مثل هذه الإجابة تتطلب قدرا من التأمل فيما جرى وفي الظروف التي يعيشها اليمن في الوقت الحالي، فضلا عن الإطار الإقليمي والدولي الذي يعيش فيه.
نشير هنا إلى أن الأحداث الأخيرة حظيت بقدر من المبالغة في التغطية الإعلامية في ضوء ما أشرنا إليه من تزامنها مع ذكرى لحظتي الوحدة ومسعى الانفصال (27 أبريل 1990، 22 مايو 1994)، حيث يمثل هذا الأخير جرح في الذاكرة اليمنية بشكل يتم معه التعامل بحساسية بالغة تصل إلى حد تصوير أي توتر على هذه الخلفية كمحاولة للانفصال.
حدود المساندة الشعبية
من ناحية ثانية فإنه مع كل التقدير للدوافع التي تحرك ما يسمى بقوى الحراك السلمي، إلا أن حدود المساندة الشعبية، لا توفر له السبل الكافية لتحقيق هدف الانفصال، فضلا عن افتقاده للقوة العسكرية التي كانت يملكها الساعون للانفصال عام 1994. ولعل ذلك يفسر تأكيد قادة الحراك السلمي وهم من لحج والضالع وحضرموت على الطابع السلمي للانفصال.
من ناحية ثالثة فإن الحديث عن انفصال يعكس قدرا من التسرع في الحكم على مجريات الأمور، حيث أن اليمن لا يواجه على هذا الأساس محاولة انفصالية واحدة وإنما انفصالات عدة إذا جرى الحكم على أي توتر على أساس هذا المعيار، الأمر الذي يمكن أن يسري على التمرد الحوثي في الشمال. وقد دفع التهافت في التعاطي على أساس هذه النظرة البعض إلى التحذير من أن اليمن يواجه خطر الانقسام ليس إلى دولتين وإنما إلى ثلاث أو أربع دول أو حتى عدة دويلات.
من ناحية رابعة، فإن اختلاف الظرف الإقليمي في الفترة الحالية عن تلك التي كانت عليها الأوضاع عام 1994 يصعب أي محاولة للانفصال، حيث أوجدت مناخا يدفع للحفاظ على وحدة اليمن وليس تقسيمه. وقد تعزز هذا الوضع، والذي يصب في مصلحة النظام اليمني بالأساس، ومصلحة اليمنيين في مرتبة ثانية، بفعل موقف صنعاء مما أسبغت عليه الولايات المتحدة صفة «الحرب على الإرهاب» والتي كان اليمن طرفا رئيسيا فيها متخذا صف واشنطن بشكل حظي معه بمساندتها.
ومن المؤشرات الدالة على الطرح الذي نذهب إليه التسارع الإقليمي والدولي إلى التأكيد على الحرص على وحدة اليمن وهو ما انعكس في موقف الملك عبد الله عاهل السعودية وكذا الرئيس الأميركي باراك أوباما والذي عبر في اتصال هاتفي للرئيس علي عبدالله صالح عن دعمه ليمن موحد ومستقر. ويعزز ذلك أيضاً الموقف المصري المؤكد على أهمية الوقوف أمام أي محاولات للتدخل من قبل أطراف خارجية في الشأن اليمني بما يزعزع أمنه واستقراره. ويصب في هذا الاتجاه ما كشفت عنه الأنباء من وساطة مصرية خليجية سرية بين الحكومة وعناصر الحراك الشعبي تحظى بتأييد أميركي للتوصل إلى تسوية.
الاتهامات الموجهة للخارج
وأما فيما يتعلق باتهامات موجهة لإيران بدعم الانفصال فإنه مما يقوضه ليس نفيا على لاريجاني رئيس مجلس الشورى اليمني وزيارته التطمينية لليمن، وإنما أن محور الاتهامات، والتي قد تعكس قدرا من المنطق يتركز على دعم طهران للتمرد الحوثي في الشمال وليس الجنوب. وهو ما يمكن فهم خطوة اليمن استدعاء سفيرها من طهران على خلفيته. وحتى في حالة صحة الاتهامات الموجهة لطهران، فإن هذه المساعي قد لا تصادف نجاحاً كبيراً خاصة في ضوء عدم اصطباغ صراع الانفصال ـ جنوب عن شمال ـ بالطابع المذهبي.
لا يعني ما سبق أن الأوضاع في اليمن تسير على ما يرام، وأن شبح الانفصال مستبعد بالكامل، وإنما أنه قائم في حدوده الدنيا وأن الظروف داخليا وإقليميا ودوليا غير ناضجة لخروجه إلى النور. مؤدى هذه النتيجة أن النظام لا ينبغي أن يستكين لهذه الحالة وأن هناك مجموعات استحقاقات عليه المبادرة بها إذا أراد الحفاظ على الوحدة.
وإذا كان من الصحيح أن هناك مجموعة من الخطوات التي قام بها النظام اليمني برئاسة علي عبد الله صالح إلا أن تطورات السنوات الماضية تفرض المزيد منها وهي تتمحور على الجانب السياسي، هذا إلى جانب انتهاج مجموعة من السياسات الأخرى على الصعيد الاقتصادي بشكل خاص في محاولة لتحقيق نوع من السلام الاجتماعي على مستوى اليمن ككل وليس في إطار التصالح مع الجنوب فقط.
ومما ينبغي الإشارة إليه هنا على صعيد خطوات المصالحة التي قام بها النظام اليمني تلك المتعلقة بقرارات العفو العام عن الذين شاركوا في الحرب الأهلية مع الانفصاليين الجنوبيين ثم هربوا خارج اليمن بعد هزيمتهم وتوجها بقرار رئاسي يقضي بالعفو عن 16 من قادة الحزب الاشتراكي السابقين في اليمن الجنوبي وكانوا يقيمون في المنفى.
إصلاحات مطلوبة
وأما على صعيد ما يجب أن يتم، فمن الملاحظ أن التعامل مع التطورات الأخيرة سواء في الجنوب أو على مستوى البلاد ككل يتم بقدر من الاستهانة لا تعكس الإدراك الكامل لتأثيراتها الخطيرة التي يمكن أن تصل إليها إذا ما صادفت تأييدا وتعزيزا من طرف هنا أو هناك، وقد يكون ذلك النمط من التعامل أحد محفزات الغضب بين المعارضين اليمينيين بكافة أطيافهم.
ومما يمكن الإشارة إليه في هذا الخصوص أنه إذا كان تحرك فئة من أبناء الجنوب يتم على خلفية الحرمان من السلطة أو تهميشهم بشأنها فإن ذلك لا يعد قاصرا على الجنوب وإنما ينسحب كذلك على فئات من أبناء الشمال، وهو ما يتطلب قدرا من الإصلاحات التي تتجاوز حالة تراكم الغضب في أوساط المعارضة اليمنية.
وفيما يمثل تأكيدا على صحة هذا الطرح إقرار النظام ذاته بالعديد من المطالب، بغض النظر عن مدى استجابته الفعلية لها من عدمه، وهو ما انعكس في تعهد علي صالح بإجراء إصلاحات في البلاد تشمل صلاحيات للسلطة المحلية أوسع مما هي عليه يتم بموجبها انتخاب مديري المديريات. وهو توجه أكد عليه كذلك تصريحات لوزير الخارجية اليمني أبو بكر عبد الله القربي أشار فيها إلى أن الحكومة تعتزم النظر فيما وصفه بالمطالب المشروعة بكل جديدة وأن معالجتها ستتم من خلال توسيع الحكم المحلي في اليمن وإعطائه كل الصلاحيات.
ومن التصورات المقترحة في هذا المجال، بعيدا عن ترحيب النظام بها من عدمه، اعتماد نوع من الفيدرالية، أي تقسيم البلاد إلى أقاليم وكل إقليم يكون له برلمان وحكومة محلية باعتبار ذلك وفق من يطرح هذا الأمر يمثل الحل لتقسيم الثروة والسلطة بشكل عادل.
يعني ذلك أن التعاطي مع الأزمة الجارية فصولها في اليمن، رغم عدم توافر الظروف لتصعيدها، ينبغي أن يتم بالجدية الكفيلة باحتوائها، وهو الأمر الذي يمكن أن يتم من خلال إصلاح حقيقي وليس إلقاء التهم جزافا بشأن من يقف وراء التوترات، أو البحث عن مخارج قانونية مثل محاولة تشريع قانون يجرم المساس بالوحدة الوطنية أو التلويح بسحب الحصانة عن نواب جنوبيين، فهذا كله مما قد يعقد الأزمة ولا يحلها، الأمر الذي يبقى رهنا برشادة وحكمة القيادة اليمنية.
مصطفى عبدالرازق
