من جديد عاد اليمن إلى مسرح الأحداث وأصبحت الأوضاع هناك على صفيح ساخن بعد عمليات الاحتجاجات والاعتراضات والمعارضات، ووصل الأمر إلى حد العنف والاشتباكات والتخريب والقتل مما أدى إلى قتل حوالي 20 شخصا بين أفراد الجيش اليمني، وشهدت المدن الجنوبية أعمال عنف وتخريب واسع النطاق.
الكثيرون وخاصة الجنوبيين حاولوا الدفع بالأمور نحو المزيد من العنف في محاولة لسكب الزيت على النار وحشد التأييد لخيار الانفصال عن الشمال وتأجيج نار الفرقة بين الطرفين من خلال التأكيد على أن ما يحدث هو تكرار لسيناريو عام 1994 والذي شهد مواجهات عسكرية بين الإقليمين الشمالي والجنوبي انتهت بانتصار الشمال بقيادة الرئيس علي عبد الله صالح على الجنوبيين.
وفي المقابل حشد الشماليون أنفسهم للتصدي لهذه الاحتجاجات وتفنيدها ودحضها والتأكيد على أن هؤلاء ما هم إلا شراذم تسعى لتحقيق مصالح شخصية أو قبلية على حساب المصالح الوطنية متهمين أطرافا خارجية من بينها دول بعينها بمحاولات العبث بوحدة اليمن وأمنه واستقراره، مؤكدين أن ذلك لن ينخر في عضد الشعب اليمني الواحد.
شبح سيناريو الانفصال
وبين هذا وذاك اختلفت التحليلات وتشعبت الاتهامات وتعددت المبررات وإن كان الكثير من الخبراء والمتخصصين اختلفوا حول قراءة هذه الأحداث ومسار المستقبل فيها وما إذا كانت هذه الأمور يمكن أن تصل إلى الانفصال بين شطري اليمن ومدى إمكانية تكرار سيناريو 1994 وحدوث صدام مسلح بين الجانبين الشمالي والجنوبي من عدمه.
وحول ما إذا كانت أحداث اليمن الأخيرة تمثل مؤشرات قوية على تكرار سيناريو 1994 أو انفصال الجنوب عن الشمال، أكد مندوب اليمن لدى جامعة الدول العربية السفير عبد الملك المنصور استحالة انفصال جنوب اليمن عن شماله أو تعرض بلاده لحرب أهلية، موضحا أن مقومات الانفصال والحرب غير موجودة فى اليمن، متهما في الوقت ذاته مسؤولين سابقين من الشطر الجنوبي بالوقوف وراء أعمال العنف فى جنوب اليمن بينما اتهم إيران بتأجيج الصراع بين الحوثيين والحكومة اليمنية.
وقال المنصور ردا على سؤال حول الأسباب الحقيقية وراء التوتر فى جنوب اليمن: «إن التوتر شيء طبيعي يحدث فى كثير من الديمقراطيات الحديثة لكن بعض وسائل الإعلام تناولت الأحداث على أنها صراع شديد الوطأة، ربما حدث التباس لكن الأن عادت الأمور إلى مجاريها».
وتابع معلقا على الاتهامات الموجهة من قادة ما يسمى بالحراك الجنوبي الذين يقودون التظاهر والاحتجاجات فى جنوب اليمن للحكومة بإهمال المحافظات الجنوبية: أن اليمن بلد فقير بشكل عام سواء فى الجنوب أو الشمال والميزانية المحدودة لا تفى بطموحات الناس.
الانفصال أمر صعب
ونفى المنصور وجود تدخلات خارجية من الدول المجاورة لتأجيج الوضع فى جنوب اليمن لكنه اتهم مسؤولين سابقين من الشطر الجنوبي كانوا قد فروا إلى خارج البلاد عقب محاولة الانفصال الفاشلة التى تمت عام 1994 بتأجيج المشاكل فى الجنوب.
وأكد أنه لا يمكن أن يحدث انفصال أو حرب أهلية فى اليمن معللا ذلك بأن مقومات الانفصال أو الحرب الأهلية غير موجودة فى اليمن باعتبارها دولة مؤسسات، بها برلمان منتخب وحكومة يتم محاسبتها أمام البرلمان وسلطة قضائية وصحافة حرة ومحافظون يتم انتخابهم بعكس غالبية الدول العربية التى تقوم حكوماتها بتعيين المحافظين. ودعا المنصور المحتجين فى جنوب اليمن إلى اللجوء للطرق المشروعة للحصول على مطالبهم مثل اللجوء إلى نواب البرلمان أو المحافظ.
وحول الصراع المتعلق بالحوثيين فى محافظة صعدة شمال اليمن، قال :إن الصراع مع الحوثيين يرجع إلى الفكر العقائدي الذى يتبناه الحوثيون الذين يؤمنون بضرورة إعادة الإمامة إلى اليمن متهما إيران بدعم الحوثيين فى مواجهة الحكومة اليمنية.
وأضاف: أن التحقيقات التى تجريها السلطات اليمنية أثبتت وجود صلات بين إيران والحوثيين لاسيما أن الحوثيين يؤمنون بالمذهب الزيدي الشيعي، مشيرا إلى وجود احتمالات لأن يكون الحوثيون قد تلقوا معونات من إيران أو أن يكون بعضهم قد تلقى تدريبات فى طهران.
ومن جانبه، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون العربية السفير صلاح فهمي أن عدم توافر النظام الديمقراطي الذي يكفل للمواطنين المشاركة الحقيقية في الحكم، لابد أن يؤدي إلى مثل هذه الصدامات خاصة وأن اليمن دولة كبيرة كانت منقسمة ونجحت في تحقيق الاتحاد بين شطريها.
مشكلة توزيع الخدمات
وأشار إلى أن هذه الظروف السياسية خلقت علاقات بين الغاضبين علي نظام الحكم في اليمن ومنهم الحوثيون وغيرهم مستغلين سوء توزيع الخدمات والثروات والاهتمام بالشطر الشمالي علي حساب الشطر الجنوبي وهو ما أثار حفيظة الجنوبيين وجعلهم مستعدين لأية استثارة تداعب أحلامهم وتلعب على أوتار معاناتهم.
وأضاف: أن هذه الأوضاع السائدة في المنطقة العربية ومنها اليمن يمثل محفزا لبعض الجماعات مثل القاعدة وطالبان وغيرهم من الجماعات وربما يكونون مدعومين من بعض الدول سواء بطريق مباشر أو غير مباشر وبإستخدام المخدرات في تمويل هذه الأنشطة لإستغلال مثل هذه الأزمات لإشعال نيران الفتنة في البلدان العربية المختلفة مثلما حدث في اليمن ومن قبلها في السودان بأقاليمه المختلفة والعراق والصومال والجزائر وفلسطين، والبقية تأتي.
وحول إمكانية حدوث إنفصال في اليمن أو علي الأقل تكرار تجربة 1994، قال:
إنه احتمال قائم ولكن بنسبة ليست عالية. وشدد فهمي على أن المشكلة عندنا كعرب أننا دائما ما نضع رؤوسنا في الرمال ولا نريد أن نعرف الحقيقة والمشكلة عندنا في أنظمة الحكم تلك الأنظمة التي عفا عليها الزمن، وهو ما أدى إلى تفشي المشاكل في المجتمعات العربية بسبب تلك الأنطمة التي لا هم لها ولا هدف لها إلا حماية حكمها وإبقائها في السلطة لأول فترة ممكنة بغض النظر عن مصالح شعوبها. ولفت إلى أن المأساة الكبري والحقيقية هي مأساة الأنظمة الحاكمة وتلك الشعوب العربية القابلة لهذه النظم والراضية بتلك الأوضاع المتردية وما تعيش فيه من فقر وتخلف وضياع.
الموقف مرشح للتصعيد
ومن جانبه، استبعد رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور جمال عبد الجواد أن يحدث انفصال في اليمن بين الشمال والجنوب أو أن يتكرر سيناريو أحداث 1994، غير أنه قال: «إن هذا لايمنع التأكيد علي أن الأمر مرشح للتصعيد خاصة في ظل وجود دولة ضعيفة وضغوط داخلية وخارجية وانتشار ظاهرة السلاح التي وصلت إلى درجة الإنفلات».
وأعرب عن توقعاته بأن يتحول الجنوب إلى بؤرة توتر علي غرار الوضع في صعده خاصة بعد تدخل القاعدة والحوثيين على الخط، مشيرا إلى أنه على الرغم من كل ذلك فإن مسألة الانفصال تتوقف على كيفية تعاطي النظام اليمني الحاكم مع الموقف وحجم التدخل ومدي وجود إرادة لإزالة أسباب ذلك.
وأضاف: من الواضح أن أهالي الجنوب لديهم مطالب من المؤكد أنها مشروعة لمساواتهم بالشمال وتقليل الفارق الكبير في مستوي الخدمات والاهتمامات وكذلك السماح لهم بالمشاركة السياسية على قدم المساواة مع الشمال، لافتا إلى أن هذا هو مادفع بعض الجنوبيين إلى الحديث عن أنهم محتلون من قبل الشمال شأنهم في ذلك شأن أي احتلال أجنبي وهذا أمر خطير ومؤشر أخطر على مستقبل الأوضاع في اليمن إذا ما انتشر هذا الفهم والإدراك لعلاقة الجنوب بالشمال.
وشدد عبد الجواد على أن حل الوضع المتأزم في اليمن يكمن في المساواة بين شطري اليمن والمشاركة السياسية الفعالة لجميع أبناء الشعب اليمني دون تفرقة وإعطاء اهتمام أكثر بمشاكل الجنوب خاصة الاقتصادية والاجتماعية.
وحول الأسباب الحقيقة التي تقف وراء توتير الأوضاع في اليمن خاصة في الجنوب ومطالبة بعض الجنوبيين بالانفصال عن الشمال، يري أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور أحمد ثابت أن الأسباب الاقتصادية تأتي في مقدمة هذه الأسباب حيث أن اليمن بلد فقير بشكل عام وجميع محافظاته وأقسامه تعاني من الفقر بدرجة أو بأخرى، وينعكس ذلك سلبا على الخدمات التي تقدمها الدولة وعلى مشاريع البنية التحتية، وعلى الوظائف والبطالة والنشاط الاقتصادي بشكل عام.
اقتسام عوائد النفط
وقال: إن مشكلة اقتسام عوائد النفط قضية قديمة بين الشمال والجنوب منذ أن كان اليمن شطرين «شمالي وجنوبي»، وما زالت هذه المشكلة قائمة حيث يرى الجنوبيون أنهم لا يستفيدون من تلك العوائد على الرغم من أن النفط في مناطقهم الجنوبية.
وأضاف : انه بالإضافة للأسباب الاقتصادية، هناك أيضا الأسباب الاجتماعية الكثيرة وأهمها تفشي الأمية والأنساق الاجتماعية القبلية وأطماع بعض القوى والقبائل في الاستحواذ على مكاسب أكثر من غيرها وهنالك صراعات جهوية ومناطقية.
وتابع ثابت: أنه فيما يتعلق بالأسباب السياسية فهناك خلافات سياسية وأيديولوجية وأيضا الفساد الإداري والمالي لأجهزة الدولة شأنها في ذلك شأن جميع البلدان العربية التي ينتشر فيها هذه الأنواع من الفساد، كما أن هناك من يستغل هذه المشاكل العامة أو الجهوية كحجج لإثارة مشاكل وفتن لا قبل لليمن بمواجهة أثارها، كما أنه لا يجب أن نغفل دور التدخلات الخارجية في استغلال أوضاع ومشاكل اليمن كما فعل وقد يفعل الحوثيون والقاعدة وغيرها من خلايا المتطرفين. ولفت إلى أن ما يسمى في اليمن «بالحراك الجنوبي» قد يكون هناك ما يبرره، أو حتي يدعو للتعاطف معه ولكن بشرط أن يتخلى محركوه عن مطالب الانفصال والعودة للانفصال من جديد، وأن يجري في إطار القانون والدولة الموحدة والمطالبة بتطبيق مبادئ العدالة والمساواة سلميا.
وشدد على أنه على الحكومة والبرلمان في اليمن أن يضعا أيديهما على جميع الأسباب التي تغذي المطالب المتطرفة بالانفصال، وأن يعمدا إلى تفادي هذه الأسباب وتفكيكها ووضع الحلول المناسبة لها بشكل جاد ومسؤول وشفاف يقنع المحتجين بمصداقية السير في طريق الحلول العادلة.
معالجة الفساد الإداري والمالي
كما أنه على الحكومة والبرلمان أن يعالجا أولا الفساد الإداري والمالي في أجهزة الدولة، وأن يحرصا على تطبيق الدستور والقانون في جميع محافظات اليمن بشكل صادق وأمين وعادل. وقال الدكتور أحمد ثابت: إن ما يحدث في اليمن أمر خطير ومؤسف والدفع بانفصال الجنوب عن الشمال لن يجعل من اليمن دولتين بل دويلات متعددة.
وكانت محافظات جنوب اليمن شهدت مؤخرا اشتباكات وأعمال عنف ومواجهات مسلحة بين المدنيين والجيش اليمني أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 20 شخصا بينهم أفراد من الجيش حيث طالب المحتجون فى جنوب اليمن بانفصال الجنوب عن شمال البلاد متهمين الحكومة بإهمال محافظات الجنوب.
وجاءت الاشتباكات عقب تجمع حاشد لإحياء ذكرى الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1994 والتي هزمت خلالها السلطات بقيادة الرئيس اليمني الحالى علي عبد الله صالح القوات الجنوبية. وخلال الاشتباكات الأخيرة قام المحتجون بمهاجمة السيارات والمتاجر خلال الاشتباكات في مدينة «المكلا» المطلة على الساحل الجنوبي، كما حدثت أعمال شغب وتخريب واعتداءات على ممتلكات عامة وخاصة وباعة متجولين في مدينة «زنجبار» بمحافظة «أبين» وفي منطقة «الضالع» جنوب اليمن.
القاهرة ـ «البيان»
