منتشياً بخمر نجاح تجربته الالكترونية جريدة «إيلاف»، راح الناشر ورئيس التحرير عثمان العمير يحاول السيطرة على ألباب مستمعيه مبشراً بانتهاء عصر الصحافة الورقية على نحو يخيل معه للمرء وكأن حفاري القبور قد بدأوا عملهم لمواراة الفقيدة الثرى، وبدء حقبة جديدة هي عصر الصحافة «الالكترونية» أو «الانترنتية». وفي محاولة لحصار الحاضرين لفاعلية ورشة عمل«الصحف اليومية: أزمة في الغرب.. توسع في العالم العربي» ضمن منتدى الإعلام العربي راح يحذرهم من تكرار تجربة غباء لويس السادس عشر حين فاجأته الثورة فيما هو في حال اطمئنان يتصور أن الأمر لا يتجاوز نطاق العصيان.
غير أن الحقيقة أن ذلك كان هو الاتجاه العام لورشة العمل التي خصصت لهذه القضية وهو ما نلمسه في كلمة فراس عذرا رئيس تحرير جريدة «دي بريس» الالكترونية والذي أشار إلى التحول بنحو 180 درجة في موقف إحدى الصحف الألمانية من رفض للصحافة الالكترونية إلى تحولها ذاتها إلى هذا الصنف من النشر. وقد كشفت المناقشات التي أثيرت في أعقاب كلمات المتحدثين عن أن القضية «إشكالية» على نحو يصعب فيه الجزم بموقف محدد بشأن مسار الصحافة ما بين ورقية والكترونية، غير أننا من جانبنا هنا، ومن واقع ما دار من مناقشات نشير إلى مجموعة ملاحظات يجب أخذها في الاعتبار.
فمن ناحية فإنه مع كل التقدير لطرح العمير إلا أن أحد الجوانب الأساسية التي افتقدها عرضه الإشارة إلى الجانب الخاص باقتصادات الصحافة الالكترونية. فمن المعلوم من العمل الصحافي بالضرورة ؟ وهو أبو العارفين ؟ أن الصحافة تقوم على توزيع (بما فيها الاشتراكات) وإعلانات. ومن هنا فإن النقطة التي كان يجدر بالعمير التفصيل فيها تلك المتعلقة بالأساس الاقتصادي الذي تقوم عليه «إيلاف» حتى يكون في ذلك دافعاً للاقتداء بالتجربة الرائدة التي يقدمها.
من ناحية ثانية، فإن أنصار الصحافة الالكترونية والمتحمسين لها يتغافلون في غمرة حماسهم أن ما ينطبق على السياق الغربي، لا يجب بالضرورة أن ينطبق على سياق آخر مغاير، وخاصة السياق العربي. فتحول جريدة في الغرب من الورق إلى الفضاء الافتراضي لا يعني جزماً أنها اتخذت الخطوة الصحيحة وضرورة اتباعها. ونضرب مثلاً على ذلك للتوضيح بأنه إذا كان ناشر الكتاب الغربي يعرف ظاهرة المليون مثلاً في توزيع كتبه فإن ناشر الكتاب العربي يحمد ربه ألف مرة إذا وزعت نسخ كتاب جديد ما يتجاوز حاجز الألف نسخة.
من ناحية ثالثة أن العالم العربي يعيش حالة، على مستويات مختلفة، تجعله للأسف متخلفاً عن اللحاق بركب العصر، ومنها في حالتنا ارتفاع مستوى الأمية ليس الأمية الالكترونية ولكن الأمية بمعنى القراءة والكتابة وهو ما يعني أن السير نحو الصحافة الالكترونية سيكون أقل بمراحل من نظيره في تجارب أخرى غربية أو غير غربية.
من ناحية رابعة، فإن الحكم النهائي على مثل هذا التحول ينبغي أن يتم استناداً إلى مسوحات شاملة وليس عينات عشوائية جزئية غير ممثلة بشكل جيد للمجتمع المراد التوصل إلى استشراف مساره بشأن ظاهرة محددة.
قد يكون، بل من المؤكد أننا نظلم ورشة عمل إذا توقعنا أن تحسم قضية بمثل هذه الحيوية، غير أن تحديد نتائج معينة ينبغي أن يلتزم كذلك أكبر قدر من الحذر، والأمر في النهاية يرتبط بدراسات وأبحاث عميقة ينبغي القيام بها، وقد يكون هذا هو الدرس المستفاد من فعاليات مثل المنتدى الإعلامي العربي.
