يتجاهل كثيرون حقيقة واضحة كشمس أغسطس، بأن مسيرة تسوية الصراع العربي الإسرائيلي لم تحقق تقدما يذكر منذ عشرات السنين، رغم كثرة المبادرات وضجيج المفاوضات التي لم تتوقف إلا قليلا. وهرول البعض خلف أوهام السلام على الطريقة الإسرائيلية الأميركية منذ انفراد الولايات المتحدة الأميركية بإدارة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
حدث هذا بأساليب وطرق متعددة في الشكل والطرح، لكنها تكاد تكون واحدة ومستنسخة من بعضها البعض في المضمون. فما يجري على ساحة الصراع منذ انطلاق قطار مدريد للتسوية يصب في قناة المصالح الإسرائيلية على حساب الحقوق العربية المسلوبة.
هذه مقدمة ضرورية لفهم احدث مبادرة أميركية للتسوية تحمل خاتم الرئيس الأميركي الديمقراطي باراك اوباما. وعنوانها الرئيسي : تطبيع عربي إسلامي شامل مع الكيان الصهيوني مقابل وعود بتحقيق السلام، وتشجيع إسرائيل على إبطاء عجلة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وتهويد القدس العربية المحتلة.
جوهر هذه المبادرة الجديدة، ليس خروجا على النهج الأميركي المألوف في التعاطي مع معضلة الصراع العربي الإسرائيلي منذ اغتصاب فلسطين عام 1948، بل انه يتماثل مع نهج التفاوض الإسرائيلي مع العرب: احرق أوراق خصمك قبل الجلوس حول طاولة التفاوض، أو بمعنى آخر: جسد وقائع جديدة على الأرض تكسبك المزيد من القدرة على ابتزاز الخصم، وتقلل من فرص حصوله على أي شيء له قيمة تذكر.
على سبيل المثال، نجح النهج الإسرائيلي في التفاوض مع العرب في خفض سقف المطالب من تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وفى مقدمتها القرار 194 الخاص بحق عودة أكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني إلى ديارهم، إلى مجرد اللهاث خلف مفاوضات تهدف فقط لمجرد وقف تشريد المزيد من الفلسطينيين من القدس العربية، ووقف عمليات اغتصاب منازلهم وهدمها والاستيلاء على أملاك الغائبين بحجج واهية.
وضربت إسرائيل المثل الصارخ في أسلوبها التفاوضي عبر قلب معادلة التسوية، وتوظيف المفاوضات لصالح إهدار الوقت وكسب الزمن لصالحها. ولم تشفع اتفاقيات (أوسلو ـ 1 و2) وما تلاها من تفاهمات أميركية في وقف عمليات الاستيلاء على المزيد من الأراضي بشكل حصر أي دولة فلسطينية محتملة القيام في مجرد إدارات مدنية متناثرة على أراض تفصل بينها المستوطنات الصهيونية.
فيما يتعلق بجديد فجر سلام أوباما الكاذب، يجب ألا ننسى، أن أطروحة حل الدولتين ليس تجاوزا لأطروحة ووعود سلفه جورج بوش الجمهوري بقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. ذلك الوعد الذي دغدغ مشاعر المتحمسين لتأييده وقتها في حربه البربرية على ما يسمى بالإرهاب، والتي لم تثمر سوى تدمير العراق شعبا ودولة، وتقنين أبشع عمليات التعذيب والاختطاف والسجون الطائرة عبر أرجاء العالم تحمل طائراتها الآلاف ممن اختطفهم عملاء المخابرات الأميركية ( سي اي ايه).. وفى النهاية رحل بوش ولم تقم للدولة الفلسطينية قائمة.
هكذا يمكن فهم حقيقة مبادرة اوباما، التي تدعو لإقامة علاقات طبيعية مع 23 دولة عربية مقابل وعود (عرقوب) بوقف للاستيطان وجلوس حول طاولات تفاوض متعددة المسارات والأطراف، دون ذكر لتفاوض عربي إسرائيلي موحد بل منفرد سيفضي إلى تنازع وضياع المزيد من الفرص والحقوق.
