تشهد فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، في هذه المرحلة، نوعا من التجاذب بين الأطراف الدولية والإقليمية، المعنية بالصراع العربي ـ الإسرائيلي. فبينما تعلن الولايات المتحدة، ومعها الاتحاد الأوروبي، وعديد من الدول الكبرى، التزامها حل الدولتين، الذي ينسجم مع منطوق المبادرة العربية للسلام، تقوم إسرائيل، في ظل حكومة نتانياهو اليمينية المتطرفة، بالمجاهرة برفض هذا الحل، بل إنها تعمل على تعزيز أعمال الاستيطان والتهويد، في الأراضي المحتلة، متحدية في ذلك الوضعين الدولي والإقليمي.
وتؤكد المعطيات الجارية، من حول هذا الموضوع، بأن هدف الدولة المستقلة (أو حل الدولتين)، بات أمام مفصل تاريخي، لا يقبل معه مزيد من المماطلة والتسويف (بعد 35 عاما على طرحه و16 عاما على عقد اتفاق أوسلو) فإما تتم ترجمة هذا الخيار على الأرض، أو يتم طيه نهائيا، لصالح خيارات أو مسارات أخرى أكثر تعقيدا، وذلك بحكم السياسات التي تنتهجها إسرائيل في الضفة الغربية، التي ترمي لتأبيد واقع الاحتلال، وقطع الطريق على أية إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ومتواصلة وقابلة للحياة.
البدايات والمسارات
برزت فكرة إقامة دولة مستقلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة (عام 1967)، بعد حرب أكتوبر 1973؛ بمعنى أن هذه الفكرة لم تكن مطروحة من قبل على الأجندة العربية والدولية. فقد وضعت هذه الحرب حدا لفكرة «إسرائيل الكبرى»، وبينت حدود قوة إسرائيل، وفي المقابل فإن هذه الحرب أكدت عقم التفكير بإنهاء وجود إسرائيل، لما تتمتع به من ضمانات دولية معطوفة على قوتها الذاتية، في مقابل ضعف العرب وتشتتهم.
أما العوامل التي أسهمت في بروز هذه الفكرة فيمكن تعيينها في التالي:
(1) صعود الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني، وضمن ذلك اعتبار منظمة التحرير بمثابة الممثل الشرعي له، ما وضع حدا لغياب البعد الوطني الفلسطيني في الصراع ضد إسرائيل.
(2) اقتناع النظام العربي بعدم القدرة على إنهاء وجود إسرائيل، وبضرورة حصر الصراع معها في نطاق استعادة الأراضي المحتلة عام (1967).
(3) رفض الواقع الدولي لهدف تحرير فلسطين، وضمانه أمن إسرائيل والتزام استقرار وجودها.
(4) سعي الحركة الفلسطينية لنيل الشرعية العربية، وجلب التعاطف الدولي معها، لتثبيت وجودها على الخريطة السياسية.
(5) تولّد قناعة لدى القيادة الفلسطينية بضرورة التحايل على موازين القوى، المختلة لصالح إسرائيل، عبر التماثل مع السياسة العربية والدولية بشأن الصراع ضد إسرائيل، من خلال طرح برنامج مرحلي، يفترض أنه واقعي وممكن ومقبول.
هكذا قامت الحركة الوطنية بالتمهيد لتبني خيار إقامة الدولة المستقلة، في الضفة والقطاع، في الدورة 12 للمجلس الوطني (1974)، بإقرار «البرنامج المرحلي»، أو ما سمي في حينه ببرنامج النقاط العشر. وفي الدورة 13 (1977)، تم إقرار هدف إقامة الدولة الوطنية المستقلة، لأول مرة. وجاء «إعلان الاستقلال»، الصادر عن الدورة 19 (1988)، على خلفية الانتفاضة ليرسخ هذا الخيار كبرنامج إجماع وطني في الساحة الفلسطينية؛ حيث تضافرت (مع الانتفاضة) الشروط الموضوعية والذاتية المفترضة لتجسيده.
من التحرير إلى الاستقلال
وبذلك يمكن القول بأن التحول نحو خيار إقامة دولة في الضفة والقطاع شكل نقلة نوعية في السياسة الفلسطينية والعربية، من هدف التحرير إلى هدف الاستقلال، ومن الصراع على وجود إسرائيل إلى الصراع على شكل هذا الوجود، ومن الكفاح من أجل النفي المتبادل إلى الكفاح من أجل التعايش والقبول المشترك.
لكن فكرة إقامة دولة مستقلة شهدت نوعا من التقدم والتراجع (في آن) مع انطلاق عملية التسوية من مؤتمر مدريد (أواخر 1991)، ولاسيما مع عقد اتفاق أوسلو (1993) بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والذي تم عقده بدفع من عوامل متعددة، أهمها، هيمنة الولايات المتحدة على النظامين الدولي والإقليمي (بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وحرب الخليج الثانية)، وانحسار البعد العربي في الصراع ضد إسرائيل، وشعور إسرائيل بنوع من الأمان على خلفية ما تقدم.
ولاشك، أيضا، بأن اندلاع الانتفاضة الأولى (1987 - 1993)، وتزايد الجدل في إسرائيل بشأن التقرير بمصير الأراضي المحتلة، على خلفية تزايد ما يسمى الخطر الديمغرافي، ساهم في الدفع بهذا الاتجاه.
وبذلك فقد شكل اتفاق أوسلو نوعا من القبول والاعتراف المتبادل بين حكومة إسرائيل (بقيادة اسحق رابين زعيم حزب العمل حينها)، ومنظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن خلقت كل التطورات المذكورة بعضا من التفاؤل لدى بعض الأوساط الدولية والعربية والفلسطينية بشأن إمكان تحقيق تسوية، تقود إلى إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، مع إيجاد حل مناسب لقضية اللاجئين.
أما قصدنا بأن هذه الفكرة تراجعت، فيمكن إحالته إلى الشروط المجحفة التي تم فيها عقد اتفاق أوسلو، بالنسبة للفلسطينيين، الذي تم في ظروف دولية وإقليمية غير مواتية لهم، والذي تضمن مرحلة الحل المرحلي، بإيجاد مرحلة انتقالية مدتها خمسة أعوام (كان يفترض أن تنتهي في العام 1999) في حين لم تنته حتى الآن! أيضا فإن هذا الاتفاق لم يبت بمسألة الاستيطان، التي باتت، تعتبر من أهم عوامل تقويض خيار حل الدولتين. وفوق كل ذلك فإن اتفاق أوسلو لم يبت بنتيجة المفاوضات، أو في مآلها، بمعنى أنه لم يعيّن الهدف النهائي منها.
بالنتيجة فإن تملصات إسرائيل من عملية التسوية، ومحاولاتها فرض الأمر الواقع بالاستيطان، وسعيها المستمر لتقويض الكيان الفلسطيني الناشئ، أدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية والمواجهات المسلحة، بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000)، والتي كشفت حقيقة مواقف إسرائيل، الرامية لقضم الحقوق والأراضي الفلسطينية، وإقامة مجرد كيان هزيل وتابع ومسيطر عليه، في الأراضي المحتلة.
بالمقابل فقد ردت إسرائيل على الانتفاضة بقطع عملية التسوية، وتقويض فكرة الدولة الفلسطينية، وإضعاف ممهدها، المتمثل بالسلطة، بعد معاودتها احتلال مدن الضفة (2002 ـ 2003)، وإقامتها للجدار الفاصل، وتنشيطها أعمال الاستيطان، وإمعانها في محاولات تهويد القدس، وانسحابها الأحادي من قطاع غزة (2005).
وها هي إسرائيل الآن، في ظل حكومة نتانياهو تعلن جهارا نهارا رفضها فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، بعد أن كانت الحكومات السابقة تتظاهر بقبولها، في حين أنها كانت من الناحية العملية تمارس عكس ذلك، كما بينّا.
المنظور الإسرائيلي للدولة المستقلة
نظريا يمكن القول بأن قيام دولة للفلسطينيين لم تعد من محرمات السياسة الإسرائيلية، فثمة أحزاب (العمل وكاديما وميريتس) تؤيد هذا الخيار، من منظورات معينة، وحتى أن شارون (رئيس الحكومة وزعيم الليكود سابقا ومؤسس حزب كاديما) اتجه في أواخر حياته السياسية نحو قبول تسوية تتضمن انسحابا من أراض محتلة، وإقامة دولة فلسطينية فيها، وترك الفلسطينيين لمصيرهم، بإقامة دولة أو إمبراطورية (بحسب تعبيره) معتبرا ذلك يلبي المصالح الإسرائيلية.
ويمكن تفسير القبول الإسرائيلي بقيام دولة فلسطينية بعدة أسباب منها:
(1) التخلّص من الخطر الديمغرافي والحفاظ على الطابع اليهودي لإسرائيل.
(2) التحرر من العبء الأمني والسياسي والاقتصادي والأخلاقي، الذي أنتجه واقع الاحتلال وواقع صمود الفلسطينيين ومقاومتهم العنيدة له.
(3) تحول النظام العربي نحو التسوية والتعايش مع واقع وجود إسرائيل.
(4) لم تعد إسرائيل ترى في قيام دولة فلسطينية خطرا وجوديا عليها، بعد التطور الذي بلغته، وبعد هيمنة أميركا على النظامين الدولي والإقليمي، وضمانها لأمن إسرائيل وتفوقها النوعي.
(5) في عصر العولمة باتت قوة الدول لا تقاس بالعناصر التقليدية: مساحة الدولة، عدد سكانها، قوتها العسكرية، بقدر ما تقاس بقوتها الاقتصادية والتكنولوجية وبتقدمها العلمي.
(6) مقايضة إقامة دولة مستقلة بتنازل الفلسطينيين عن حق العودة.
(7) تسعى إسرائيل لتحسين صورتها على الصعيد الدولي، وضمن ذلك الحفاظ على صدقية كونها دولة ديمقراطية، بعد أن باتت تظهر كدولة مستعمرة تمارس التمييز العنصري والقوة ضد أهل الأرض الأصليين.
(8) التساوق مع السياسات والترتيبات الأميركية الشرق أوسطية.
من ذلك يمكن الاستنتاج ببساطة بأن الإسرائيليين لا يناقشون هذا الأمر وفق معطيات الفلسطينيين، وحاجاتهم وحقوقهم، وإنما وفق رؤيتهم هم لأولوياتهم ومصالحهم، وضمن ذلك ادعاءاتهم الأيدلوجية. وأنهم لا يتوخون من ذلك إحقاق العدالة والحق وإنما تأمين مصالحهم الإستراتيجية، وفق منظوراتهم الخاصة.
أما بالنسبة لتيارات اليمين القومي والديني، فهي تناهض إقامة دولة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولاسيما في الضفة من منطلقات دينية وأيدلوجية وأمنية. فهذه التيارات ترى في الانسحاب من أية بقعة من الأرض الفلسطينية تنازلا للفلسطينيين يمكن أن يضعف أمن إسرائيل ويشجع على مزيد من استهدافها، كما ترى فيه تراجعا عن الصهيونية، وتقويضا لمبررات قيام إسرائيل (أسطورتي أرض الميعاد وأرض بلا شعب لشعب بلا أرض).
وتعتقد هذه التيارات بأن قوة إسرائيل واستقرارها وتطورها تتيح لها فرض الحل الذي تريده في المنطقة، وعلى الفلسطينيين، على أن لا يتجاوز إقامة نوع من الحكم الذاتي للفلسطينيين، أو التوافق مع الأردن على تقاسم وظيفي في الضفة، أو التوجه نحو حل يتضمن تبادل سكاني، بحيث تتخلص إسرائيل من العرب فيها وضمهم للدولة الفلسطينية، مقابل انسحاب إسرائيل من المدن الفلسطينية في الضفة.
والنتيجة أن إسرائيل لم تسلم تماما بحل الدولتين، ولم تسهل على خيار إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين، بدفع من أسباب متعددة، أهمها:
(1) عدم توفر إجماع إسرائيلي على هذه القضية.
(2) ضعف الضغط الدولي والإقليمي المناسب على إسرائيل، الذي لم يصل، ولا مرة، إلى الحد الذي يضطرها للانسحاب من الأراضي المحتلة.
(3) محاولة إسرائيل مقايضة هدف الدولة المستقلة بدفع الفلسطينيين للتنازل في القضايا الجوهرية الأخرى المتعلقة بالحدود واللاجئين والقدس، وهو ما أبدى الفلسطينيون ممانعة له؛ وهو ما وضح في رفض الرئيس الراحل ياسر عرفات للإملاءات الإسرائيلية في مفاوضات كامب ديفيد2 (يوليو 2000).
(4) وجود شعور لدى الإسرائيليين بأن هدف الدولة الفلسطينية إنما هو مجرد هدف مرحلي، له ما بعده، وأنه بمثابة حصان طروادة، ويستهدف تقويض وضع إسرائيل إن عبر ممارسة حق العودة، أو عبر عامل الزمن.
السيناريوهات والاحتمالات
بعد تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة برئاسة بنيامين نتانياهو (تضم أحزاب الليكود وإسرائيل بيتنا وشاس والعمل) تم التصريح علنا بعدم التزام هذه الحكومة بخيار الدولتين، أو خيار الدولة المستقلة. وفي ذلك فقد وضعت إسرائيل نفسها في مواجهة الوضعين الدولي والإقليمي، إضافة إلى مواجهتها الفلسطينيين.
لكن ثمة توقعات بشأن إمكان قيام هذه الحكومة بإجراء نوع من المراجعة لهذه السياسة، بدفع من الضغوط الأميركية خاصة، والدولية عموما، وبسبب التطورات الإقليمية. لكن هذه المراجعة ستظل محدودة بخطوط حمر متعددة، أهمها: أن لا انسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى حدود الرابع من يونيو (1967)، وأن لاحق عودة للاجئين لإسرائيل، وإبقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة وضمها لإسرائيل، والإبقاء على القدس موحدة تحت السيطرة الإسرائيلية.
وبحسب التسريبات الصحفية، مثلا، فإن بنيامين نتانياهو سيقدم للرئيس الأميركي لدى لقائه به في البيت الأبيض (18/ 5) خطة تتضمن منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً في الضفة الغربية، بدعوة العمل تدريجاً من أجل بناء قاعدة التسوية الدائمة «من أسفل إلى أعلى»، في شكل يقود إلى بناء كيان يتطور في المستقبل إلى كيان يتمتع بالسيادة، على أن يتم تعريفه لاحقاً. وتقوم هذه الخطة على ثلاث ركائز: سياسية وأمنية واقتصادية، (شمعون شيفر يديعوت أحرونوت 6/ 5) وهي كناية عن تجاوز البعد السياسي لعملية التسوية إلى البعدين الأمني والاقتصادي.
بدوره يقترح افيغدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا، ووزير خارجية إسرائيل، اعتماد «نموذج قبرص»، لحل الصراع مع الفلسطينيين، على أساس إجراء «تبادل سكاني» يتم بموجبه ترحيل مئات آلاف الفلسطينيين من مناطق العام 1948 إلى مناطق العام 1967 في مقابل ضم نحو نصف مليون مستوطن يهودي في الأراضي المحتلة (عام 1967) مع مستوطناتهم إلى إسرائيل، مقابل إقامة كيانين منفصلين (واحد لليهود وثان للفلسطينيين)».(هآرتس 5/ 5)
أما حركة شاس (الشرقية المتدينة)، فقد طرح زعيمها إيلي يشاي، وزير الداخلية الإسرائيلية، خطة لإقامة «كيان قومي« للفلسطينيين خلال خمس سنوات، برعاية الولايات المتحدة الأميركية، وفق النموذج العراقي، شرط خلوه من التنظيمات العسكرية والعداء لإسرائيل.
وتتطلب الخطة إرسال الولايات المتحدة إلى الأراضي الفلسطينية قوات عسكرية ومرشدين إداريين في كل المجالات لمساعدة الفلسطينيين، للتخلص من مظاهر العنف والفوضى والانفلات الأمني والفساد وبناء مؤسسات أمنية واجتماعية واقتصادية ملائمة للحياة السلمية العصرية. وتعمّد يشاي في هذه الخطة أن لا يذكر كلمة «دولة فلسطينية« وأن لا يتحدث عن حدود ولا عن القدس ولا عن اللاجئين. (معاريف1/ 5/ 2009)
بناء عليه نستنتج بأن مصير حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بات يتعلق بتوفر الإرادة والقدرة لدى الأطراف المعنية، الدولية والإقليمية، ولاسيما الولايات المتحدة، لفرض هذا الحل، طالما أن الطرفين المعنيين غير قادرين أو غير ناضجين لوحدهما على التوصل إلى حل بهذا الشأن.
أما في حال تركت الأمور لتعنت إسرائيل فإن الأوضاع في المنطقة ستزداد تعقيدا، وتوترا، وبالتأكيد فإن ذلك لن يكون لصالح المنطقة ولا لصالح الفلسطينيين، كما سيضر بمصالح الولايات المتحدة الأميركية. والأكيد أن انسداد فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة سيفتح الباب، مستقبلا، أمام حلول إقليمية، لا تعرف طبيعتها، كما سيضع إسرائيل أمام تحد تحولها إلى دولة ثنائية القومية، إن بحكم الأمر الواقع، ما يعني تكريس وضعها كدولة استعمارية عنصرية ـ دينية، أو بحكم القانون والدستور.
ماجد كيالي
