برغم أن الاعتراف بحق الفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة، في الضفة والقطاع المحتلين، يكاد يكون أمراً مفروغاً منه في الوعي السياسي الإسرائيلي، من اليسار إلى اليمين، بعد أن كان من المحرمات تقريباً، فإن إسرائيل مازالت مترددة أو غير قادرة على الحسم بهذه المسألة على أرض الواقع. فالخطاب السياسي لدى الإسرائيليين، ينظر إلى عملية التسوية، المتمثلة بقيام دولة فلسطينية، على الأغلب، وكأنها تسوية بين الإسرائيليين أنفسهم، أكثر مما ينظر إليها باعتبارها تسوية مع الفلسطينيين.

وتفسير ذلك أن التسوية، بالنسبة لهم تمسّ، مباشرة أو مداورة، تعريفهم لدولتهم ولهويتهم ولحدودهم: الجغرافية والبشرية والسياسية، كما لدورهم في هذه المنطقة، من جانب؛ وهي من جانب ثان تفرض عليهم مراجعة المرتكزات التقليدية للأيديولوجية الصهيونية، التي تأسست على مقولات من نوع: «أرض الميعاد»، و«أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، ما يمس مبررات قيام إسرائيل ويشكك في أخلاقية قيامها.

بناءً على ذلك يبدو طبيعياً أن تتجاهل التسوية الإسرائيلية مصالح الشعب الآخر وحقوقه، وألا تبالي بصوغ أية عناصر مستقبلية تتعلق بالعيش المشترك معه، بحكم الجغرافيا والديمغرافيا. فالآخر، بالنسبة للإسرائيليين، لا يظهر إلا في السياق، وليس على اعتباره شعباً أو حتى شريكاً؛ فإسرائيل والشعب اليهودي هما المطلق والقيمة العليا.

إزاء كل ذلك وإزاء رفض إسرائيل التسليم، من الناحية العملية، إنهاء الاستيطان والاحتلال، ورفضها المطلق لحق العودة للاجئين، وممانعتها تمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم، المقترن بإصرارها الحفاظ على استمرار سيطرتها على الضفة والقطاع، بدعاوى أمنية وديمغرافية ومائية وأيديولوجية، فإن الفلسطينيين معنيون بتغيير المعادلات السياسية القائمة، طالما ليس في مقدورهم تحقيق مطلبهم بالدولة المستقلة.

وفي هذا الإطار فإن توجه الفلسطينيين للمطالبة بإقامة دولة واحدة علمانية وديمقراطية، «ثنائية القومية» (عربية ـ يهودية)، على كامل أرض فلسطين التاريخية، هو التحدي السياسي والأخلاقي، الذي يمكن توجيهه للإسرائيليين، الذين مازالوا يطرحون إمكانية قيام دولة فلسطينية.

صحيح أن الفلسطينيين سيخسرون مرحلياً حلمهم ومطلبهم بالدولة المفترضة، لكنهم على المدى الاستراتيجي، سيحفظون وحدة أرضهم التاريخية ويحققون وحدة شعبهم. أما من وجهة نظر الصراع ضد المشروع الصهيوني فإن هذا الأمر يمكن أن يشكل هزيمة تاريخية له، فالدولة «ثنائية القومية»، ربما، تقوض مشروع الدولة اليهودية ـ الصهيونية، وقد تخلق المجال، لاحقاً، لفتح مسارات تحول الدولة الثنائية إلى دولة لكل مواطنيها، كما يمكن لهذه الدولة أن تنضوي في إطار التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذه المنطقة.

أما إسرائيل، فهي إزاء هذا التحدي، ستكون معنية بتوضيح ما تريده. إذ لا يمكن لإسرائيل الحفاظ على الجغرافيا والديمغرافيا، في آن معاً، لأن هذا الوضع إما سيضعها في تناقض مع حدود الديمقراطية أو مع حدود اليهودية. وعليها حينها أن تختار، إما الحفاظ على طابعها كدولة الأكثرية اليهودية، في حدود إسرائيل، أو التخلي عن هذا الطابع وأيضاً عن كونها دولة ديمقراطية، بالتحول إلى دولة أبارثايد في كل إسرائيل/ فلسطين، كونها لابد ستقاوم، ولكن إلى حين، واقع كونها باتت دولة «ثنائية القومية». المهم آن الأوان لوضع إسرائيل أمام خيارات وتحديات حقيقية، سواء أمام نفسها أو أمام العالم.