بين بابا الفاتيكان بندكتوس السادس عشر والرئيس الأميركي باراك أوباما قواسم مشتركة، فالأول هو أكبر رأس في هرم المسيحية الغربية بوصفه رئيس الكنيسة الكاثوليكية، والثاني أكبر رأس سياسي في هذا الهرم، بوصفه رئيس الولايات المتحدة الأميركية وكل من الفاتيكان وأميركا يرى نفسه راعي المسيحية في العالم دينيا أوسياسيا. ومن دون إغفال الخلاف المذهبي بين الطرفين، فان كلا منهما تتشاركان الاهتمام بالمنطقة العربية لأسباب إستراتيجية.
الفاتيكان يراها إلهاما روحيا، فيها ولد المسيح عليه السلام، وفيها عاش وبعث بالرسالة، ومنها انتقلت المسيحية إلى العالم، لذا تحظى لديه بالقداسة، حيث لا يكتمل التدين إلا بالحج إليها، وهذا ما فعله البابا الحالي ومن قبله كثيرون.
مثل هذه النظرة الاستراتيجية هي ما تحكم الولايات المتحدة الأميركية سياسيا واقتصاديا وأمنيا. وهذه المصالح تدفعها إلى التواجد بالمنطقة. ومن أجلها أيضا تدعم إسرائيل ضد العرب والمسلمين أجمعين منذ واحد وستين عاما، هي عمر إسرائيل. وهذه المصالح هي التي تدفع الرئيس أوباما الآن للحضور إلى القاهرة يوم الرابع من يونيو المقبل، مثلما اجتذبت بابا الفاتيكان خلال الأيام الماضية.
وحتى كتابة هذه السطور، تمخضت زيارة البابا عن انحياز واضح لإسرائيل، فقد زار أسرة الجندي جلعاد شاليط الأسير لدى حركة حماس، ودعا إلى إطلاق سراحه، بينما لم ينبس ببنت شفة تجاه معاناة أحد عشر ألف أسير فلسطيني في سجون إسرائيل. ودعا البابا إلى محاربة ما أسماه العداء لليهود، من دون أن يتفوه بحرف عن المجازر التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين.
ودعا أيضا إلى توثيق العلاقة بين اليهودية والمسيحية، فيما لم يقدم أي بادرة للتقارب مع الإسلام، كما لم يستجب لتطلعات مليار مسلم توقعوا منه أن يرد كرم الضيافة بالاعتذار عما بدر منه من تخرصات على دينهم، بل انه تمادى في مواقفه المعادية للمسلمين بأن وجه انتقادا ضمنيا إلى الإسلام عندما التقى ببعض الدعاة في مسجد الحسين بن طلال، إذ دعاهم إلى عدم توظيف الدين في السياسة، ولم يقل ذلك في إسرائيل التي تحترف لعبة خلط الدين بالسياسة.
ما فعله البابا عمليا هو أنه قوى مزاعم إسرائيل التوراتية على حساب حقوق العرب، كما نال ضمنا من الشرعية العربية دينيا في الأرض المقدسة،لأن حديثه عن اليهودية طوال وجوده في أرض عربية إسلامية يعد بمثابة رأي ديني. لقد حضر البابا إلى المنطقة وهي متوترة ويغادرها أشد توترا، فلم ينثر فيها بذور المحبة كما كان متوقعا، وهذا ما قد تنتهي إليه أيضا زيارة الرئيس باراك أوباما المقبلة، فكلاهما استدعى الدين في زيارته.
لقد قال أوباما الكثير عن المصالحة مع المسلمين من دون أن يقدم مرتكزات لها أو يغير شيئا على الأرض من تركة بوش، لأن ثوابت السياسة الأميركية أقوى من أي شخص حتى لو كان الرئيس، وإلا كيف نفسر تجديد إدارته للعقوبات ضد سوريا، واستمرار القوات الأميركية في ارتكاب مجازرها في أفغانستان ضد المدنيين، بينما يتحدث في الوقت ذاته عن المصالحة؟ لقد أثبت الرئيس أوباما انه رجل علاقات عامة ماهر يقول ما لا يفعل، بينما البابا يقول ويفعل. وهذا وجه الخلاف الوحيد بين رأس المسحية الدينية، وبين رأس المسيحية السياسية في الغرب.
