في مصر، محافظات ومدن ورثت عبر الأجيال صفات حميدة، وأخرى يفتري عليها المصريون أنفسهم بإطلاق نعوت على سكانها لا تمت بالواقع بصلة. فمثلا يطلقون صفة الكرم على «الشراقوة» المنتسبين لمحافظة الشرقية، وفي المقابل يصفون «الدمايطة» الطيبين بالبخل.
نعرات متوارثة غير حميدة حتى ولو كانت من باب المداعبة والسخرية. كلها أكاذيب وافتراءات. فهاهم الدمايطة، يثبتون أنهم أكرم أبناء مصر وأكثرهم تشبثا بعروبتهم. أسخياء في ظل التراخي العربي ـ على المستوى الشعبي ـ تجاه الفلسطينيين المحاصرين. أطلقوا حملة سميت «إعادة تأثيث غزة». كانوا السباقين بين الأوساط الشعبية العربية في المشاركة في إعادة تعمير القطاع المنكوب.
تبرعوا بالأموال والمواد الخام وقاموا بتصنيع عشرات الغرف الخشبية للمنازل والعيادات لأهل غزة في فترة وجيزة. ومن قبل أرسلوا أكثر من20 شاحنة أدوية ومساعدات لرفع المعاناة عن بني عروبتهم في فلسطين المغتصبة. ويقولون إن ما يقدمونه لأشقائهم الفلسطينيين ما هو إلا قليل. فالغرف التي تبرعوا بها ليست إلا بداية. هناك تبرعات أخرى ستشمل نوافذ وأبوابا للمباني التي تم دمرتها آلة العدوان الإسرائيلية.
هذه هي دمياط التي يتهمها المصريون من غير أهلها بالبخل. قد لا يعرف الكثيرون من العرب عنها إلا القليل أو لا يعرفون سوى مجرد سبة البخل التي أطلقت عليها بالكذب والافتراء. دمياط لمن لا يعرف.. من أقدم وأجمل مدن مصر الساحلية.. تطل على البحر والنهر. فعلى أرضها يلتقي النيل مع البحر المتوسط، وهى آية من آيات الله التي ذكرها القرآن الكريم في سورة الرحمن «مرج البحرين يلتقيان..
بينهما برزخ لا يبغيان». ينعكس طقسها الجميل على تقاليد وسلوكيات أهلها فصاروا أكثر أبناء مصر نشاطا وحيوية وجدية وإتقانا للعمل والصفة المستحقة لهم هي أنهم فئة من الشعب المصري أهدأ مزاجا وأكثر إنتاجا. معدل البطالة في دمياط صفر في ظل ركود اقتصادي عالمي يسود العالم الآن.
صناعة الأثاث، أكسبتها شهرة عالمية. في معظم المنازل ورش نجارة أسفل البيوت، وفي المدينة 60 ألف ورشة أثاث متخصصة في كل مرحلة من مراحل تصنيع الأثاث من النجارة إلى الدهان إلى التنجيد. ويقال أن صادراتها من الأثاث قد تصل العام المقبل إلى مليار دولار. تشتهر دمياط أيضا بصناعة الألبان والجبن الدمياطي أشهر أنواع الجبن في العالم.
وأيضا صيد الأسماك، فهي تنتج أكثر من ثلث إنتاج مصر بقيمة تصل إلى 450 مليون جنيه. ويعمل بها أسطول صيد يمثل 60% من الأسطول المصري. وهناك أيضا صناعة النسيج والأحذية والحلوى وتعليب السردين والجمبري. وتنتشر في محافظة دمياط بوجه عام أشجار النخيل التي تغطى الساحل من رأس البر شرقا وحتى جمصة غربا. وقد صدرت دمياط ما يزيد على مليون نخلة.
أبناء دمياط بشهادة الصحفي البريطاني كريستيان فريزر مراسل شبكة بي بي سي نيوز، حولوا مهن أسرية إلى استثمار عالمي ناجح، وهذه هي الروح التي يأمل أبناء أرض الكنانة أن تسود بقية أنحاء مصر. شاب دمياطي يخاطب الزائر ويقول له (انظر حولك في أي مكان لن تجد أحدا لا يفعل شيئا.. ليس لدينا وقت للجلوس).
الشبان في دمياط لا يهدرون الوقت، يستثمرونه لتحقيق طموحاتهم في الحياة ولا ينتظرون سقوط الثمار من فوق الأشجار. دمياط ـ كما يعلق أحد عشاق ترابها الخصب ـ لا تمثل الاستثناء في مصر، وإنما بقية مصر هي التي تتخلف كثيرا عنها.
