بانفجارها على النحو الدائر في «سوات» تكون الأزمة الباكستانية، المزمنة والمتفاقمة؛ قد دخلت طور الصراع الحاسم والمفتوح على خطرين: حرب أهلية مهلكة وانهيار النظام القائم وربما دولته. وصول الوضع إلى هذه النقطة، كان تحصيل حاصل لمأزقه المتوارث، الذي تسارعت وتيرة احتدامه في السنتين الأخيرتين.
ما جرى للخروج من دوّامته، بقي في حدود المناورات وتصفية الحسابات وتحسين المواقع. فكان أن زاد من حدّة وتعقيد الخلل. من زمان وباكستان مرشحة للانضمام إلى لائحة البلدان المنكوبة بنزاعاتها الداخلية في المنطقة. الآن دخلت هذا النادي. لكن خطر أزمتها ليس كغيره. فهو أوسع وأعمق بكثير وبما لا يقاس. في الجوار أزمات عنف متفجر، كثيرة. من الصومال إلى العراق. لكن ولا بلد منها يملك ترسانة نووية. كما لا يجاريه بلد آخر، في تداعيات ومفاعيل أفغنته أو بلقنته؛ التي يرقص صراعه الأهلي الدموي، على حافتها.
تأسس المأزق، تقريباً مع ولادة باكستان. ثنائي العسكر والبيروقراطية، وضع يده على البلد؛ بعد حوالي أربع سنوات على الاستقلال. مع أيوب خان، حسم الجيش أمر السلطة لصالحه وأمسك بمقاليدها، حتى مقتل ضياء الحق؛ بعد ثلاثين سنة. خلال فترة هذا الأخير، حرص الجنرال على تقوية وتعزيز وضع المؤسسات الدينية.
كما عزّز من موقع ودور المخابرات العسكرية؛ التي أوكل إليها إدارة وتدبير العلاقات مع المجاهدين، أثناء الحرب ضدّ الوجود السوفيتي في أفغانستان. المتشدّدون بدأ يقوى عودهم. والجهاز العسكري، بدأ يصير الجهة المهيمنة داخل المؤسسة؛ واستطراداً داخل مطبخ القرار السياسي.
تناما الصراع، المكشوف حيناً والمخفي حيناً آخر، بين هذه الأخيرة وبين تركيبة سياسية متهافتة ينخرها الفساد. عاد العسكر إلى الحكم المباشر. وفي ذات الوقت تسارع وكبر حراك القوى المتشدّدة. برزت طالبان بقوة. وفيما كانت الفجوة تزداد، بين حكومة تفقد فعاليتها وبين مؤسسة عسكرية يتزايد نفوذها؛ كانت الأمور تتردّى باستمرار.
الوضع الاقتصادي وصل حدّ الإفلاس، أواخر العام الماضي. تزايد سقوط الضحايا في صفوف المدنيين، في المناطق الحدودية مع أفغانستان؛ جرّأ غارات الطائرات الأميركية بلا طيار. تزايدت علامات العجز والانصياع، في علاقة إسلام أباد واشنطن. رفعت طالبان من معايير شروطها. اضطرت الحكومة للتفاوض معها والرضوخ لمطالبها في مناطق سوات.
واصلت ضغطها باتجاه العاصمة. بدا وكأنها تطرح نفسها كبديل. يبدو أن عينها على إقامة كابول أخرى في باكستان. الحكومة تحدثت عن «إبادة» المتشدّدين. ردّ هؤلاء بالتمترس بين السكان. بصمات الضغط الأميركي كانت واضحة على إسلام أباد، خلال زيارة الرئيس زرداري لواشنطن. جنرال أميركي، مساعد بتريوس، كان سبق أن حذّر بأنه «خلال شهر الى ستة، قد نرى انهيار دولة باكستان».
الرئيس أوباما أعرب عن قلقه بلغة قريبة من ذلك. المواجهة كاسرة. القتلى بالمئات وعلى ازدياد. النازحون فوق المليون وربع. يبدو أن الجسور نسفت بينهما. في الميزان، وحدة البلد وسلاحه النووي. لا أمن لهذا الأخير من دون أمن وطني. المواجهة الجارية، تهدّد بانفلات الفوضى.
وهذه تهدّد، في أحسن الأحوال، بنزف داخلي لا يبقى معه شيء من هذا الأمن. وبالتالي من باكستان الواحدة. لا البلد ولا الجوار، وربما العالم، يمكنه احتمال طالبان أخرى. وفي باكستان بالذات. لكن باكستان أيضاً ما عادت تحتمل معادلة تقوم على عسكر قابض على عنق الحكم وطبقة سياسية مهترئة. مأزق تفوح منه رائحة كارثة مرعبة.
