تستعد الأحزاب والقوى السياسية المختلفة في إقليم كردستان العراق لخوض الانتخابات الجديدة، الخاصة بالإقليم التي تجرى في يونيو المقبل، في ظروف انشقاقات داخلية، وتعدد في القوائم، خارج إطار الحزبين الرئيسيين، اللذين يواجهان انتقادات وتهما بالفساد، والهيمنة طويلة الأمد، إضافة إلى «انحراف الثورة الكردية» عن مساراتها، وانحيازها إلى القوى المعادية لحركات التحرر الوطني، بعد أن كانت الحركة الكردية، في مراحل سابقة، محسوبة على قوى التحرر تلك.

وحسب المراقبين السياسيين، لا يثير الاستغراب في الوضع العراقي، حدوث تغييرات دراماتيكية في الفكر السياسي لمختلف الفصائل والقوى، بعد التحول الذي حصل منذ غزو واحتلال العراق عام 2003، وتغيير المفاهيم والمصطلحات، حيث أصبح الاحتلال هو «التحرر الوطني»، ويوم سقوط بغداد «عيدا وطنياً»، حسب قرار مجلس الحكم، الذي كان يضم في عضويته كلا من جلال الطالباني ومسعود البارزاني، بينما أصبحت معارضة الاحتلال إرهابا أو تحريضا على الإرهاب، و«عمالة للأجنبي».

وهذا ما انعكس سلبا على طبيعة علاقات الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق، مع الأحزاب والحركات المشابهة، وخاصة حزب العمال الكردستاني التركي، والتنظيمات الأخرى، وبما يتعارض أيضا مع تحشيد وتعميق الأطروحات والمفاهيم المتعصبة قوميا في الداخل.

تغير المفاهيم والمصطلحات

وحسب المحلل السياسي زيد الزبيدي، ان أبسط ما يمكن ان توصف به تصريحات المسؤولين الأكراد العراقيين، بشأن حزب العمال الكردستاني التركي، هو أنها «غير مفهومة»، على الصعيد السياسي العام، وعلى الصعيد القومي الكردي، لأنها تبدو، في الظاهر، مناقضة للواقع المعاش، بقياس 180 درجة، ومن ابرز هذه التصريحات، دعوة رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني، مقاتلي حزب العمال لإلقاء سلاحهم، أو مغادرة أراضي إقليم كردستان العراق. الطالباني، دعا حزب العمال أيضا إلى اللجوء للعمل السياسي السلمي، لان نظام الحكم في تركيا الناتو «ديمقراطي»، حسب قوله، معطيا نفسه الحق في تحديد هوية نظام سياسي في بلد آخر.

ويبدو أن قياس المسؤولين الأكراد، جاء وفق معطيات نشرت في أجهزة الإعلام الكردية، منها السماح لمحطة إذاعية بالبث باللغة الكردية، ووجود قناة تلفزيونية تبث برامج باللغة الكردية، وعدم قمع الاحتفالات بأعياد النوروز الزرادشتية، وما إلى ذلك من أمور طفيفة، تعتبر ذرات مقابل بحور مما أعطته الحكومات المتعاقبة في العراق للأكراد.

ومهما يكن أمر التصريحات المناهضة لتوجهات حزب العمال الكردستاني، والمؤيدة للحكومة التركية «الديمقراطية»، فان أول ما تذكّر به، هو أن الحركة الكردية المسلحة، بقيادة مصطفى البارزاني، انطلقت في بداية ستينات القرن الماضي، ضد حكم عبد الكريم قاسم، الذي لا يشكك احد بوطنيته، والذي كان أول نظام في المنطقة يعترف بالأكراد وحقوقهم، حيث نص دستور الجمهورية العراقية عام 1959 على أن الشعب العراقي يتكون من قوميتين رئيستين، هما العربية والكردية، إضافة إلى الأقليات القومية الأخرى.

وكان عبد الكريم قاسم اصدر عفوا عن مصطفى البارزاني، اللاجئ آنذاك في الاتحاد السوفييتي، والذي استقبل على نطاق واسع في العراق كزعيم وطني، كما أطلق حرية العمل السياسي القومي للأكراد، وأقرت حكومته الدراسة باللغة الكردية في شمال البلاد، إضافة إلى اعتبار اللغة الكردية، اللغة الثانية في العراق.

ويرى المراقبون أن التصريحات، بصدد الديمقراطية في تركيا، تعني ضمنيا عدم شرعية حركة مصطفى البارزاني، التي كانت من ضمن الممهدات لانقلاب شباط فبراير 1963، الذي كانت حركة البارزاني أول من اعترف به، وبحكومة البعث آنذاك.

تناقض غير مفهوم

ولعل القول إن ما بني على باطل فهو باطل، ينطبق أيضا على تصريحات رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان البارزاني، الذي أكد أن التجربة أثبتت عدم جدوى العمل المسلح، وان على حزب العمال الكردستاني إلقاء السلاح، واللجوء إلى العمل السياسي، لان العصر الحالي ليس عصر استعمال القوة و«الكفاح المسلح»، وإنما عصر الحوار والتفاهم.

إلا أن احد السياسيين الأكراد علق على ذلك متسائلا: إذا كان هذا العصر، هو عصر الحوار والتفاهم، فما الذي يعنيه الغزو المدمر للعراق، واحتلاله!؟، ولماذا يصر القادة الأكراد على الاحتفال بيوم «تحرير العراق»!؟.

ومما يثير تساؤل واستغراب المراقبين هو ظهور «الحمل الوديع» الكردي، الذي يفترض نفسه وصيا على الحركات الكردية في البلدان الأخرى، مناديا بالحلول السلمية، وبعدم جدوى العمل المسلح، إلا أن هذا التساؤل والاستغراب، يوجد ما يرده على ارض الواقع، لان القيادات الكردية في العراق، لم تحقق ما تحقق لها عن طريق العمل المسلح، حيث واجهت إخفاقات كبيرة، حسب مقتضيات ومصالح الدول الأخرى.

وان كل ما حصلت عليه، لم يأت أيضا من خلال العمل السياسي، وإنما من خلال الإرادة الأميركية، التي أوجدت المحمية الكردية في عام 1991، في وقت كان القادة الأكراد على وشك الوصول إلى اتفاق سياسي شامل مع نظام صدام حسين، تحت عنوان « الديمقراطية في العراق، والحكم الذاتي لكردستان»

بغداد ـ عراق أحمد