السادس عشر من مايو 1960، يوم مثير من أيام الحرب الباردة، كان يمكن أن تنتهي أحداثه بتخفيف حدة الصراع بين الجبابرة أو القوتين الأعظم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وتحقيق وفاق بينهما. ولكنه انتهى بصدام وتوتر حاد في العلاقات كادت أن تكون عواقبه وخيمة فيما بعد.

ففي مثل هذا اليوم من بداية الستينات، التقى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور والزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف في لقاء قمة بالعاصمة الفرنسية باريس. وكان المفترض أن يكون الهدف من اللقاء هو إزاحة أجواء التوتر والاضطراب في العلاقات، ولكنه كان بداية أسوأ أحداث الحرب الباردة في النصف الأول من الستينات الذي شهد ما كان يمكن أن يؤدي إلى حرب ساخنة لا أحد يعرف كيف كانت ستنتهي، فبعد السادس من مايو 1960، تابع العالم أزمتين خطيرتين:

ـ في ابريل عام 1961 ، أي بعد أقل من عام على قمة باريس الفاشلة، وقعت أزمة خليج الخنازير المتمثلة في خطة أميركية وضعتها الاستخبارات الأميركية «سي آي إي» لهجوم برمائي تقوده عناصر من الكوبيين المهاجرين بدعم من الجيش الأميركي لاحتلال الجزيرة والإطاحة بزعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو المدعوم بقوة من الاتحاد السوفيتي. وكانت الخطة باكورة خطط إدارة الرئيس الأميركي الراحل جون كنيدي ضد ما سمي بالخطر الشيوعي على حدود أميركا، وانتهت بالفشل الذريعة باعتراف كنيدي نفسه.

- ثم أزمة الصواريخ السوفيتية في أكتوبر 1962 ، إذ اكتشفت الاستخبارات الأميركية أن السوفييت ينصبون قواعد لصواريخ هجومية فوق جزيرة كوبا. واعتبر كيندي أن وجودها على بعد أقل من مئة ميل من حدود الولايات المتحدة يعتبر تحديا واستفزازا متعمدين. فأمر البحرية الأميركية بمحاصرة كوبا برا وبحرا وتفتيش كافة السفن والطائرات المتجهة إليها ومصادرة أي أسلحة هجومية مرسلة إليها وأصبح العالم على حافة حرب نووية، لكن التدخلات أدت إلى فك الحصار، بعد أن توصل كلا من الرئيس كيندي وأمين عام الأمم المتحدة يوثانت إلى اتفاق مع السوفييت لإزالة الصواريخ الكوبية شريطة أن تتعهد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا مقابل التخلص بسرية من الصواريخ الأميركية في تركيا.

بالنسبة لقمة 16 مايو 1960 فهي كما أشرنا كانت بداية مسلسل التوتر والتصعيد في الحرب الباردة في الستينات، ويرجع ذلك إلى الحدث الذي سبقها بأسبوعين وهو إسقاط طائرة يو2 الأميركية التي كانت تتجسس فوق الأراضي السوفييتية. ففي فجر أول مايو انطلق الطيار الأميركي جيري باورز بطائرته من تركيا للقيام برحلة تجسس في سماء الاتحاد السوفيتي.

وكانت مهمته تصوير قواعد الصواريخ في تيورا تام شرق بحر الآرال وقواعد الصواريخ الغامضة في سفير دلوفسك وما حولها وقاعدة الغواصات في مورمانسك في أقصى الشمال ثم التوجه إلى القاعدة الجوية الأميركية في أيسلندا وهي رحلة تصل إلى 4800 كيلومتر. ولكن الرادارات الروسية تتبعت الطائرة حتى وصلت إلى قلب روسيا، وهنا تم ضربها بصاروخ متطور من طراز سام كان قد صنع حديثا فأصيبت الطائرة وأخذت تسقط بسرعة رهيبة.

الطيار باورز حوكم أمام محكمة عسكرية بتهمة التجسس. وتبين من المحكمة التي صورت وبثت للعالم كله. أن الطيار كانت لديه أوامر بتدمير وتفجير الطائرة عند الخطر وذلك بعد القفز منها حيث أنها مزودة بجهاز تفجير آلي. وكان لدى الطيار مسدسا وكبسولة سيانيد للانتحار ومعه ورقة بعدة لغات منها العربية تطلب ممن يطلع عليها مساعدة الطيار الذي يحمل مبالغ مالية بالدولار لإنفاقها على هربه لو تمكن ذلك.

نجاح الاتحاد السوفييتي في إسقاط الطائرة،يرجع إلى أن السوفييت كانوا يرصدون التحركات الأميركية منذ عام 1958، إذ أعلنوا وقتها أنهم على علم بأمر طائرات التجسس وطالبوا الولايات المتحدة مرارا بوقف تلك الرحلات التجسسية. ولم يكن عند الاتحاد السوفيتي وقتها طائرات تصل إلى ارتفاع عال لتصل إلى تلك الطائرات وتسقطها ولم يكن لديها صواريخ دقيقة تصل إلى ذلك الارتفاع. ولم يكن أمام الكرملين آنذاك سوى الاحتجاج الرسمي حتى يتمكنوا لا فيما بعد من الرد بسلاح مضاد.

وتكتم السوفييت على أسر قائد الطائرة وحطامها، حتى فوجئ الرئيس الأميركي أيزنهاور في قمة باريس بالزعيم السوفييتي خروتشوف يصرخ في وجهه ويرمى أمامه على المائدة بصور تبدأ بقائد طائرة التجسس باورز ملقى على الأرض ثم ممددا على سرير مستشفى ثم جالسا أمام صحافيين عسكريين، ومجموعة كبيرة لصور أخرى التقطتها آلات التصوير الدقيقة لطائرة التجسس وتظهر فيها تفاصيل بعض المنشآت العسكرية مبينة وكاشفة ـ وبعد الصراخ يمضى خروتشوف، ويصف أيزنهاور على مسمع من الرئيس الفرنسي شارل ديجول ورئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان ـ الذين كانوا يحضرون قمة للأربعة الكبار- بأنه كذاب ومنافق و«هذه هى الأدلة»!

انهارت قمة باريس فور انعقادها بسبب أزمة الطائرة.لم تنجح في الوصول إلى اتفاق، فقد رفض الرئيس أيزنهاور أن تعتذر الولايات المتحدة عن حادث التجسس، وتمسك خروتشوف بتقديم ذلك الاعتذار وأن يسجل في وثائق المؤتمر. وغادر المؤتمر دون الوصول إلى حل مناسب.

حسن صابر