لا تزال تبعات اختيار الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة بنيامين نتانياهو وتركيبتها شديدة التطرف، والتي تعد الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، تلقي بظلال كثيفة على مستقبل العملية السلمية في الشرق الأوسط وخاصة على المسار الفلسطيني والذي يعد الأكثر صعوبة.

ولا تزال هذه التركيبة المتطرفة للحكومة الإسرائيلية تضع الكثير من التكهنات ومحاولات استجلاء الوضع حول توجهاتها حيال المشاكل والأزمات المتفاقمة والتي لا يستطيع أكثر المحللين تفاؤلا أن يخفي انزعاجه وشكوكه إزاء تصورات حكومة تل أبيب تجاه العملية السلمية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

ولعل أبرز ما يزيد من مساحة الشكوك والمخاوف تجاه توجهات الحكومة الإسرائيلية الجديدة بعيدا عن تشكيلتها المتطرفة، ما خرج عن هذه الحكومة سواء من رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو أو وزير خارجيته أفيجدور ليبرمان أو حتى وزير الدفاع ايهود باراك،الذي يفترض فيه أنه أقل تطرفا من أقرانه.

تضارب مقصود

وكانت الحكومة الإسرائيلية قد عبرت في شكل متضارب ربما يكون مقصودا عن رؤيتها وتصورتها لحل القضية الفلسطينية. وتراوحت المواقف الإسرائيلية في هذا الصدد من رفض لحل الدولتين الذي أكد عليه نتانياهو في حديثة لمنظمة «الإيباك» الأميركية من القدس عبر الأقمار الاصطناعية، إلى مبادرته أمن إسرائيل مقابل السلام الاقتصادي بعيدا عن الحلول السياسية إلى رفض اتفاقية أنا بوليس إلى ربط حل القضية الفلسطينية بحل الملف الإيراني، ويهودية إسرائيل. وقد عودتنا الحكومات الإسرائيلية في سياستها المراوغة أن جعبتها لا تفرغ من الحيل والأفكار التي لا تحل مشكلة ولا تعقد اتفاقا.

في البداية، يقول سفير فلسطين لدي مصر ومندوبها الدائم بالجامعة العربية نبيل عمرو: إن ما خرج عن الحكومة الإسرائيلية حتى الآن لا يمكن البناء عليه ولا يبشر بخير وبقراءة سريعة لتصريحات وتعليقات أعضاء الحكومة الإسرائيلية نتأكد من سعي نتانياهو وحكومته للتنصل من الالتزامات الشرعية وأنها تبذل مساع حثيثة للالتفاف على قرارات الشرعية الدولية والتهرب من حقوق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية من خلال محاولات إدخالنا في دوامة من الأفكار والمقترحات التي لا تلبث أن تغيرها قبل أن نكمل سماعها في محاولة منها لإيهام الرأي العام العالمي على غير الحقيقة أنها راغبة في السلام وتسعى إليه».

مقررات الشرعية الدولية

وأضاف: أن ما بين رفض أفيجدور ليبرمان لقرارات أنابوليس وخارطة الطريق ودعوة نتانياهو الفلسطينيين للاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية خالصة ومبادرته المزعومة «السلام الاقتصادي»، وربط وزير الدفاع الإسرائيلي حل القضية الفلسطينية بحل مشكلة الملف النووي الإيراني، كل ذلك من المساعي المرفوضة وغير المقبولة يؤكد أن الحكومة الإسرائيلية لا يمكن أن تحقق السلام ولا تقبل بتطبيق مقررات الشرعية الدولية وإعادة الحقوق لأصحابها ويؤكد كذلك توجهاتها العنصرية».

وأشار عمرو إلى أن نتانياهو وحكومته أعلنوا رفضهم لمبدأ حل الدولتين الذي أكدت عليه الرباعية الدولية بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية انطلاقا من قرارات الشرعية الدولية، كما أعاد الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما تأكيده على هذا الحل، إلا أن الحكومة الإسرائيلية تضرب بمقررات الشرعية كالعادة عرض الحائط وتعلن رفضها لمبدأ إقامة الدولتين وتتفنن في إجهاض مساعي السلام.

وأكد أن حديث نتانياهو عن اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة الإسرائيلية أمر غير مقبول فلسطينيا وعربيا ودوليا لأن هذا معناه إسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لأراضيهم وديارهم، كما أنه مرفوض دوليا باعتباره نوعا من العنصرية يتكامل مع جدار الفصل العنصري الذي تقيمه إسرائيل في الأراضي الفلسطينية وهو ما يتنافى مع كل قرارات الشرعية الدولية وهو ما يرفضه الفلسطينيون.

مفاوضات الوضع النهائي

وشدد على أن أي حلول لا تلبي قرارات الشرعية الدولية غير مقبولة، مضيفا: نحن نريد مفاوضات سياسية من النقطة التي انتهت بها المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في ديسمبر 2008 بين الرئيس محمود عباس «أبو مازن» ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت.

وتساءل السفير الفلسطيني بالقاهرة قائلا: هل توافق حكومة نتانياهو على مفاوضات حول كافة قضايا الوضع النهائي بما فيها القدس واللاجئين والحدود والاستيطان والحدود وهل تلتزم حكومة إسرائيل بالتزامات خطة خارطة الطريق؟!».

وبدوره أكد الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة بجامعة الدول العربية السفير محمد صبيح على خطورة التوجهات الإسرائيلية في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية وهي خطوة متوقعة كونها أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفا وتعنتا وأنها تسعي قدر الإمكان لتنفيذ طموحاتها العنصرية المتطرفة لترسيخ أقدامها لدي الشارع الإسرائيلي أطول فترة ممكنة.

وأعرب عن توقعاته بأن تشهد الفترة القادمة تسارعا كبيرا في تنفيذ العمليات الاستيطانية وتهويد القدس وهدم المنازل وتجريف الأراضي وإقامة كتل استيطانية واستكمال بناء جدار الفصل العنصري لتمزيق الأراضي الفلسطينية حتى إذا ما اضطرت إسرائيل في أي وقت لإقامة دولة فلسطينية، تكون دولة مقطعة الأشلاء غير متصلة يستحيل الحياة فيها في ظل الأوضاع الجغرافية والديمغرافية القائمة على الأرض في محاولات شريرة لتغيير الوضع على الأرض وفرض سياسة الأمر الواقع.

ونبه إلى أن حكومة نتانياهو ستسعي في إطار سياسة فرض الأمر الواقع إلى إفراغ الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة الصهيونية من الفلسطينيين وعرب 48 في محاولة منها لإثبات يهودية الدولة الإسرائيلية وهو ما يسعي إليه نتانياهو لقطع الطريق على تفعيل مبدأ حق العودة وابتلاع الأراضي الفلسطينية.

نسف حل الدولتين

ولفت صبيح إلى أن جميع التصورات التي تسوقها الحكومة الإسرائيلية الجديدة تستهدف في المقام الأول القضاء على القضية الفلسطينية ونسف حل الدولتين الذي يضمن إقامة دولة فلسطينية مترابطة واضحة المعالم وعاصمتها القدس الشريف والتراجع عن حق عودة اللاجئين بإقامة دولة يهودية عنصرية وهو أمر غير مقبول ولن يكون مقبولا.

وشدد على أن العرب والفلسطينيين لديهم رغبة قوية للاستمرار في المفاوضات السياسية مع إسرائيل ولكن على أساس المبادرة العربية للسلام ورؤية حل الدولتين وما ورد في خطة خارطة الطريق التي وضعتها الرباعية الدولية والخاصة بوقف كل أشكال الاستيطان بما فيها النمو الطبيعي وإزالة الحواجز وضمان تطبيق قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة حول فلسطين.

ونوه إلى أن المجتمع الدولي مطالب بممارسة الضغوط اللازمة على إسرائيل والكف عن تدليلها والكف عن الكيل بمكيالين وأن يتعاطى مع القضية الفلسطينية باعتبارها القضية الأم في الشرق الأوسط ولب الصراع العربي الإسرائيلي وأن يسعى لإجبار إسرائيل على الالتزام بتعهداتها والالتزام بمقررات الشرعية الدولية وخاصة قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والرباعية الدولية وأن تنصاع لصوت السلام وتكف عن العنف والتطرف والعنصرية التي تمارسها تجاه الشعب الفلسطيني صاحب الحق الحقيقي في هذه الأرض التي تعيث فيها إسرائيل فسادا.

ومن جانبه، قال المفكر الفلسطيني ووزير المنظمات الأهلية بالسلطة الوطنية الفلسطينية السابق حسن عصفور: إنه لا شك في أن الحكومة الإسرائيلية الحالية بتركيبتها المتطرفة لن تكون حكومة سلام ومن الصعب التوصل للسلام والحصول على حقوق الشعب الفلسطيني في ظل حكومة نتانياهو».

وأكد عصفور أهمية أن يكون هناك رؤية فلسطينية عربية لمواجهة تطرف الحكومة الإسرائيلية ومخططاتها لتصفية القضية الفلسطينية وأن يتم توحيد الصف العربي والقضاء على الانقسام العربي القائم وسياسة المحاور القائمة بين الاعتدال والممانعة، مشيرا إلى أن توحيد الصف العربي هو العامل الأساسي والرئيس لتوحيد الصف الفلسطيني وعودة اللحمة للشعب الفلسطيني وتوحيد الفصائل الفلسطينية.

تحدي الجهود الدولية

ونوه إلى أن التوجهات الجديدة للحكومة الإسرائيلية وما تم الإعلان عنه من أفكار صهيونية فيما يتعلق بالاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية والذي يستهدف إسقاط حق عودة اللاجئين وربط حل القضية الفلسطينية بحل الملف النووي الإيراني أو رفض المبادرة العربية على اعتبار أنها ستكون خطيئة كبرى والتراجع عن اتفاق أنابوليس ورفض خارطة الطريق ومبدأ إقامة الدولتين، يمثل تحديا من قبل حكومة إسرائيل للجهود الدولية وخاصة الأميركية منها، الأمر الذي يتطلب من المجتمع الدولي مراجعة حقيقية للسياسة الإسرائيلية خوفا من انعكاساتها المدمرة على المنطقة بكاملها.

وأضاف عصفور:

أنه لا يمكن الثقة في الحكومة الإسرائيلية الحالية ولا يمكن الاعتداد بما يتفق معها عليه فهي لا تجيد سوى التلاعب بالألفاظ والمراوغة ومحاولات الإفلات من الالتزامات الدولية والقانونية والمشروعة للشعب الفلسطيني، ولذلك فإن الجانب الفلسطيني والعربي سيلقى معاناة كبيرة في التعامل مع هذه الحكومة التي تريد الحصول على رضاء وتأييد المتطرفين في إسرائيل بأي شكل لضمان الاستمرار في السلطة بعد أن ثبت لهم أن التطرف والتطرف وحده هو السبيل لحكم إسرائيل، ولذلك علينا أن نتوقع خطوات أكثر تطرفا وعنفا منها لتحقيق هذا المسعى.

ومن ناحيته، يرى مساعد وزير الخارجية المصري ومدير إدارة إسرائيل الأسبق السفير حسن عيسى أن تشكيل الحكومة الإسرائيلية جاء انعكاسا لتوجهات الشارع الإسرائيلي إلى الأمن على اعتبار أن هاجس الأمن هو الهاجس الأساسي لدي الشارع الإسرائيلي وهو ما تلعب عليه الحكومة الإسرائيلية، فنتانياهو وليبرمان لا يوافقان على إقامة الدولة الفلسطينية لأنه لا يوجد ما يجبرهما على ذلك ولا ما يدعوهما للتفاوض مع الفلسطينيين، فالإسرائيليون ليسوا بهذا الكرم لمنح الفلسطينيين حقوقهم هكذا وبهذه السهولة.

وقال: إن ما يزيد من تطرف الحكومة الإسرائيلية وتعنتها في التعامل مع الجانب الفلسطيني، ذلك الانقسام والتشرذم في الصفوف الفلسطينية ووجود رؤى وتوجهات وإستراتيجيات متعارضة ووجود مشروعات فصائلية غير وطنية بمعنى أن كلا منهم يسعى لتحقيق مصالحه الفصائلية بغض النظر عن المصالح الوطنية اعتقادا أن في هذا فقط المصالح الفلسطينية».

وقال السفير حسن عيسى: إنه في ظل تركيبة الحكومة الحالية مع الانقسام العربي والتشرذم الفلسطيني، لا أرى أن هناك أملا في السلام ولا أن هناك مستقبلا للسلام في المنطقة تدفع الإسرائيليين للتفاوض وتقديم تنازلات صعبة لإعادة الحقوق الفلسطينية».

تجاوز عملية التفاوض

وحول التصورات التي قدمتها وتقدمها حكومة بنيامين نتانياهو بخصوص حل القضية الفلسطينية، قال: هذه مؤشرات تشير إلى أن هذه الحكومة لا تريد إقامة الدولة الفلسطينية ولا تريد استعادة التفاوض فاشتراط اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل يعني إسقاط حق العودة للاجئين بل ويعرض الفلسطينيين والعرب المقيمين بإسرائيل لخطر الطرد وهو ما لن يقبله الفلسطينيون، وعندما مورست الضغوط على إسرائيل واتهمت بالعنصرية، أوجدت مبررا آخر بربط حل القضية الفلسطينية بحل الملف النووي الإيراني.

وأضاف: أنه سواء نجحت إسرائيل بالضغط على واشنطن لحل الملف النووي الإيراني إما سلما بالتفاوض أو حربا، وهي تفضل بالطبع حله بالحرب للقضاء على القدرات العسكرية والاقتصادية والبشرية الإيرانية كما تم مع العراق، وأنه في حال لم يستجب الرئيس الأميركي باراك أوباما لهذه الضغوط، فإن الحكومة الإسرائيلية ستجد أطنانا من المبررات والعراقيل لمنع استئناف العملية السلمية وإقامة الدولة الفلسطينية.

القاهرة ـ «البيان»