اكتشفت لويس عوض متأخراً. اكتشفت موقعه ودوره كمفكر تنويري من جيل النهضويين الثالث، كما يصطلح على وصفهم. وكان تأخري في اكتشاف هذا المفكر الكبير واحداً من أخطائي الفادحة في ميدان عملي الفكري. لكنني، في الواقع، كنت قد تعرفت إلى اسمه في أواخر أربعينات القرن الماضي. وقرأت له ترجمة لروايتين من روايات الأديب السكوتلاندي أوسكار وايلد، صدرتا عن دار الكاتب المصري. وأذكر أن رواية «صورة دوريان غراي» هي التي استهوتني يومذاك لقوة الرمز فيها، ولدلالاته. وظل اسم لويس عوض معروفاً، بالنسبة إليّ، لكثرة ما كانت بعض كتاباته في الأدب خصوصاً تثير من جدل في أوساط اليسار.
وكان بعض رفاقي وأصدقائي من الكتاب اللبنانيين والمصريين يناقشون هذه الكتابات، باسم «الواقعية الاشتراكية»، و«الأدب للحياة» وينتقدون ميوله الليبرالية. وكانت تلك النقاشات سبباً في تأخري في الدخول في عالم لويس عوض، وهو العالم العامر بالأفكار التنويرية، وبالجدل مع وقائع الحياة وأحداثها في بلداننا وفي العالم، القديم من هذه الأحداث والمعاصر منها، على حد سواء. وحين قررت الدخول في عالم هذا المفكر الكبير كنت قد بدأت أتحرر من الطابع الإيديولوجي الجاف الذي كان يحكم قراءاتنا، نحن شيوعيي تلك الحقبة، لما كان يصل إلينا من نتاجات المفكرين الكبار من العالم العربي ومن العالم في شتى بقاع الأرض.
وكنت قد بدأت قبل ذلك بأعوام أطل، بانفتاح أكبر وأعمق، على الثقافات وعلى الأفكار والمعارف من دون حذر، ومن دون أن أتخلى عن أفكاري وعن انتمائي باسمها إلى الاشتراكية. كان ذلك التحرر عندي قد بدأ في أواخر ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي، مترافقاً مع الثورة التجديدية في الحزب الشيوعي اللبناني، التي شاركت فيها مع بعض رفاقي من الجيل الجديد.
وأذكر أنني، قبيل ذلك التاريخ، عندما كنت أقيم في مدينة فيينا، قد قرأت بالصدفة كتاب المفكر المارتنيكي فرانز فانون «المعذبون في الأرض» Les Damnes de la Terre. وقد أعجبت بهذا الكتاب وبأفكار صاحبه، رغم أن استنتاجات فانون الواردة في الكتاب كانت نقدية إزاء الماركسية وإزاء بعض مفاهيمها الخاصة بتصنيف وتوصيف الطبقات الاجتماعية وتحديد أدوارها.
أول ما قرأت للويس عوض، الذي شكل البداية الحقيقية لعلاقتي الفكرية مع كاتبه، هو كتاب «ثورة الفكر في عصر النهضة». أدهشني هذا الكتاب بالطريقة التي استخدمها لويس عوض لإعادة التذكير بتلك الثورة العظيمة التي غيرت وجه العالم. إذ استحضر عوض في كتابه هذا أسماء الرموز الكبيرة لعصر النهضة في كل جوانب الحياة الإنسانية، وفي كل ميادين الإبداع في الفكر وفي العلم وفي الأدب وفي الفن وفي السياسة.
ذلك أنه اعتبر، بحق، أن تلك النهضة لم تكن قادرة على تحقيق أهدافها لو لم تشمل وظيفتها هذه الجوانب المتعددة من النشاط الإنساني، ولو لم يتصد رموزها لتلك المهمة التاريخية في إعادة الاعتبار إلى حق الإنسان في التمتع والتصرف بحياته بحرية، من دون وسائط غيبية كانت الكنيسة تحتكرها وتتحكم بها، وتتحكم بحياة الناس من خلالها. لذلك كان من الطبيعي أن يشمل هذا الكتاب أسماء أولئك الكبار من رواد تلك النهضة من ماركو بولو إلى غاليلي، ومن دانتي إلى مايكل أنجلو ورفاييل، ومن مكيافيللي إلى كامبانيلا الخ.
لويس عوض مثقف عربي صاحب مشروع تنويري نهضوي
كان كتاب عوض «ثورة الفكر في عصر النهضة» الكتاب الذي فتح عينيّ على تراث هذا المفكر الكبير في وقت متأخر، أي في الأعوام الأخيرة من حياته. إذ هو غادر الحياة في ربيع عام 1990. ودخلت في سباق مع الزمن، بحثاً متواصلاً عن بعض الكتب التي كنت أتصور أن اطلاعي عليها كان سيعوض هذا النقص الكبير في معارفي. وكان الخيار صعباً.
لكنني اعتبرت أن مساهمات لويس عوض في الأبحاث الخاصة بالحضارة بعامة، وبالحضارة المصرية بخاصة، ربما تكون هي الأقرب إلى اهتمامي. وربما تكون هذه الأبحاث الأكثر التصاقاً باهتمامات لويس عوض ذاته. تدل على ما أقول وتؤكده بعض الكتب التي استطعت اقتناءها من كتبه ذات الأهمية الاستثنائية: كتاب «دراسات في الحضارة»، وكتاب «تاريخ الفكر المصري الحديث» بجزأيه، وكتاب «البحث عن شكسبير»، وكتاب «نصوص النقد الأدبي» في جزئه الأول المكرس لليونان، وكتاب «الثورة الفرنسية»، وكتاب «المسرح المصري بين الفن والدين». وبعض هذه الكتب صدر بعد وفاة المؤلف.
عاصفة أوراق العمر
أما «أوراق العمر» فهو كتاب سيرة لويس عوض، في الجزء الأول منها التي غادر الحياة قبل أن يستكمل فصوله. وهو كتاب غني بالأحداث الخاصة بصاحب السيرة، والأحداث التي كانت قد شهدتها مصر، فضلاً عن كنوز الأفكار التي ضمها الكتاب. ولأنني لم أتمكن من قراءته بكامل فصوله فقد استعضت عن الدخول في تفاصيل السيرة في هذا الكتاب بالحوار الذي أجراه مع مفكرنا صديقه غالي شكري، ونشر في مجلة «أدب ونقد» بعد وفاته.
وهو حوار قرر غالي شكري ألا يبرز هو فيه كمحاور يطرح الأسئلة وينتظر الإجابة، إذ ترك للويس عوض أن يروي قصته بتكثيف رائع، يعطي صورة كاملة عن صاحب السيرة بمتعة فائقة، ومن دون أدنى جهد. أهمية هذا الحوار أنه يقدم على لسان صاحب السيرة صورة صادقة وصريحة عن سيرته من دون تبريرات أو سوى ذلك مما كان سيفقد الحوار معناه وأهميته. وفي الواقع فإن لويس عوض قد لخص في الحوار ما كان قد قدم بإسهاب نماذج من سيرته في كتاب «أوراق العمر»، هذا الكتاب الذي يشبهّه رجاء النقاش بكتاب سلامة موسى الشهير «تربية سلامة موسى».
ومعروف أن كتاب «أوراق العمر» يتضمن نقداً جارحاً لعدد من كبار الأدباء والمفكرين المصريين، من أمثال طه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد شوقي وسلامة موسى ومنصور فهمي. وهو نقد يصل عند لويس عوض إلى حد تسخيف للإنتاج الأدبي والفكري لبعض إنتاج هؤلاء الكبار، وإلى اتهام بعض هذا الإنتاج بالزندقة الفكرية والسياسية.
الأمر الذي أثار جدلاً كبيراً حوله، بين من صاروا أعداء له، وبين من حاولوا الدفاع عنه، من دون أن يبرروا له ذلك النوع من النقد المبالغ فيه الذي يطال هؤلاء الكبار. ورجاء النقاش هو واحد ممن تصدوا للكتابة عن ظاهرة لويس عوض في كتاب حمل عنوان «لويس عوض في الميزان»، ناقداً إياه ومدافعاً عنه في آن.
وفي الواقع فإن من يتابع كتابات وكتب لويس عوض سيجد أن أهميته كمفكر إنما تكمن في أنه اختار لنفسه صفة المشاكس الذي يقتحم مجالات لم يسبقه إليها أحد بمثل الصراحة والجرأة اللتين كانتا السمة المميزة لكتاباته. وطبيعي أن تقود المشاكسة صاحبها إلى الوقوع في الخطأ من جراء المبالغة في الأحكام. فهو في كتاب «دراسات في الحضارة» يتصدى لتحديد معنى القومية من خلال حديثه عن الأساطير السياسية، واستطراداً لتحديد معنى القومية العربية.
فيناقش أولئك المؤرخين الذين يعتبرون أن العرب هم الذين أدخلوا العالم في الحضارة، مذكراً إياهم بأن ثمة حضارات قديمة سابقة على الحضارة العربية، من الخطأ الفادح تجاوزها، والتنكر لدورها التأسيسي في الحضارة الإنسانية، مثل حضارة بابل وسومر وأشور الخ.
لكنه، في نقده لهؤلاء القوميين العرب المغالين في تعظيم دور العرب في التاريخ، لا يتنكر قط لموقعه القومي العربي، حتى وهو يشدد على انتمائه إلى وطنه مصر وإلى تاريخها القديم والحديث والراهن. ولم يدخل في جدال مع الذين اتهموه، مباشرة وبالإشارات، بأنه مصري أكثر منه عربي. بل هو تجاوز ذلك. وأجرى سجالاً صريحاً مع توفيق الحكيم وحسين فوزي في موضوع حياد مصر، بمعنى التمايز عن البلدان العربية وعن القضايا العربية الملتهبة. واعتبر أن من الخطأ الفادح خروج مصر من علاقاتها العربية، لأن ذلك سيكون ضد منطق التاريخ، ويتعارض مع المصالح الحقيقية للشعب المصري. وأكد، في الوقت عينه، على علاقات مصر الأفريقية.
تاريخ الفكر المصري
أما كتابه «تاريخ الفكر المصري الحديث» فهو يتضمن فصولاً يذكر فيها ببعض رموز النهضة العربية في القرن التاسع عشر، من رفاعة الطهطاوي إلى جمال الدين الأفغاني وأحمد فارس الشدياق، وصولاً إلى المرحلة التي دخلت فيها مصر في عهد الدستور والاستقلال وسلوك طريقها إلى الديمقراطية المعاصرة، التي تتمثل بالدولة الحديثة.
لست هنا، في معرض الحديث عن لويس عوض وعن تراثه. فهي مهمة تتجاوز إمكاناتي وتتجاوز هذا البحث المتواضع. همي هو أن أشير إلى بعض عناوين ذلك التراث الذي أغنى به لويس عوض تراثنا العربي، وأن أذكر القارئ العربي بأهمية هذا المفكر، وبأهمية الدور الذي لعبه في الحياة الفكرية المصرية على امتداد نصف قرن من حياته.
ولد لويس عوض في عام 1915 في شارونه، مركز مغاغة في محافظة المنيا، في صعيد مصر. ومغاغة، كما يقول لويس عوض، هي التي أعطت لمصر طه حسين ويوسف الشاروني. كانت أسرته متوسطة. وكان أغلب أبنائها موظفين. وكان والده وفدياً بعواطفه. ورغم أنه كان قبطياً فقد كان يحث أبناءه على قراءة القرآن وحفظ سور منه. كما كان يحثهم على تعميق معارفهم في اللغة العربية.
في العاشرة من عمره أكمل لويس قراءة العشرات من روايات الخيال العلمي، الروايات التي تتحدث عن الخوارق. وقد ساعدته تلك القراءات على تفتح وعيه على الأدب، وعلى الاهتمام بتعميق معارفه في التراث العربي نثراً وشعراً. وكان من بين قراءاته الأولى، بقرار من المدرسة التي كان يتابع دراسته للمرحلة الثانوية فيها (1928)، كتاب «الأيام» لطه حسين. وتواصلت وتنوعت قراءاته في تلك المرحلة المبكرة من عمره. فاطلع على الأدب المصري الحديث. كما اطلع على الأدب العربي القديم.
وفدي وشيوعي
ويقول عوض أنه كان في تلك السن المبكرة من عمره معجباً بالعقاد لأنه كان وفدياً. وكان، بالمقابل، ذا موقف نقدي من طه حسين وعلي عبد الرازق، لأسباب سياسية. إلا أنه سرعان ما صار من المعجبين بسلامة موسى. وتخلى عن تعلقه بالعقاد، بسبب بعض كتاباته وكتبه. مارس لويس الكتابة وهو في الرابعة عشرة من عمره. وكان أول عمل أدبي له هو قصة بعنوان «الحب الأول»، نشرها في مجلة «الإنذار» لصاحبها صادق سلامة. كما قرأ لفكتور هيجو وإدغار آلان بو، وترجم لهما بعض نتاجهما في مجلة «كوكب الشرق».
وعندما حصل على شهادة البكالوريا في عام 1930، انتقل إلى القاهرة. هناك اكتشف طه حسين، كما يقول. حاول الإنتساب إلى كلية الآداب، لكن والده نصحه بأن ينتسب إلى كلية الحقوق، لكي يصبح محامياً، معللاً موقفه بأن الأدب لا يطعم خبزاً، بعكس مهنة المحاماة. ودارت معركة بينه وبين والده انتهت به إلى الاستقلال عن والده، ومتابعة دراسته في كلية الآداب، خلافاً لتوصيات الوالد وضد رغبته. تعرف في تلك الفترة إلى كل من طه حسين وعباس محمود العقاد قبل أن يتعرف إلى سلامة موسى. لكن سلامة موسى كان الأقرب إلى عقله ووجدانه.
يتحدث عوض في سيرته عن ميوله السياسية، فيعبر عن تمايزه الواضح عن الفكر النازي وعن رموزه في مصر، الذي كان حزب «مصر الفتاة» أداته السياسية، وكان كل من أحمد حسين وعزيز المصري المعبرين عنه بوضوح. لذلك فقد كان معجباً باختيار خالد محي الدين ويوسف صديق اليسار طريقاً لهما، واختيار ثروت عكاشة الرومانسية مدرسة له في الأدب والفن. ويروي في سيرته أنه كاد يقتل على كوبري عباس في عام 1935، في الانتفاضة التي تفجرت مطالبة بجلاء الإنكليز عن مصر وبتحقيق الاستقلال.
تفوق في الدراسة
كان ترتيبه، على امتداد فترة دراسته، الأول، كما يقول. وقاده تفوقه هذا إلى الحصول على منحة دراسية من الجامعة لدراسة الأدب الإنجليزي في جامعة كامبردج. وقد أصدر فيما بعد (1942) كتابه المعروف «مذكرات طالب بعثة»، الذي سجل فيه الأحداث التي واجهته في تلك المرحلة من دراسته. وقد هيأت له دراسته في كامبريدج إمكانية التعرف على كبار الأدباء الإنجليز. ويقول بأن أساتذة اشتراكيين وشيوعيين كانوا ممن علموه تاريخ الحضارة وتاريخ الفكر.
عاد لويس إلى مصر في عام 1940، عن طريق جنوب أفريقيا، في وقت كانت الحرب العالمية في أوجها. في القاهرة تعرف على هنري كوريل، أحد زعماء الحركة الشيوعية المصرية، وذلك في نادي «الاتحاد الديمقراطي» الذي كان الشيوعيون يديرونه. كما تعرف إلى كل من رمسيس يونان وكامل التلمساني وفؤاد كامل الذين كانوا ينتمون إلى تنظيم شيوعي في اتجاه آخر غير اتجاه كوريل. وفي النادي وحوله تعرف إلى انقسامات الحركة الشيوعية.
وأدرك الفوارق السياسية والفكرية بين تياراتها. كان عام 1946 عام الانتفاضات التي كانت تقودها «لجنة الطلبة والعمال». وهي لجنة شاركت فيها كل التيارات السياسية. وكان أصحاب المبادرة في تشكيلها الشيوعيون من المثقفين وفي مقدمتهم الأديبة المعروفة لطيفة الزيات. لم يشارك لويس عوض في تلك الحركة. لكنه كان متعاطفاً معها من بعيد. إذ هو غادر في ذلك الحين إلى أوروبا. وكان في الأساس ينأى بنفسه عن الانغماس في العمل السياسي. وكان يرى في العمل العلمي وسيلته إلى الابتعاد عن السياسة والانصراف إلى ما كان يراه مجدياً بالنسبة إليه.
وجدير بالذكر هنا أن لويس عوض كان في ابتعاده عن العمل السياسي وعن الانخراط في الحركات السياسية يعبر عن رفضه للعنف كوسيلة للتعبير عن موقف أو الالتزام بموقف. إذ هو رأى بتجربته، منذ البدايات، أن السياسة تستدرج العنف، وأن جميع الحركات السياسية تستخدم العنف في نضالها لتحقيق أهدافها ولتثبيت مواقعها. كما كانت تستخدم العنف في صراعاتها مع القوى المختلفة معها. وكان من أسباب اختلافه مع الشيوعيين أنه كان يرى في الفكر الشيوعي عناصر تشير إلى مبدأ العنف، والتنظير له: العنف الثوري.
حركة ثقافية نشيطة
شهد النصف الأول من خمسينات القرن الماضي حركة ثقافية نشيطة، وصراعات حول تحديد معنى الأدب والفن، وحول دورهما. وإذ كان طه حسين يقول بنظرية «الفن للفن» فقد تصدى له المثقفون الشباب من أمثال محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس وعبد الرحمن الشرقاوي، باسم الواقعية الاشتراكية. ودعوا إلى نظرية «الأدب والفن للحياة». وكان لويس عوض قد سبق هؤلاء المثقفين في الدعوة إلى تلك النظرية على طريقته، كما يقول. لكنه رأى في موقف المثقفين الشباب المشار إليه شيئاً من المغالاة في نقدهم لطه حسين، وفي الترويج لنظريتهم.
تعرض لويس عوض لحملات قاسية، بعضها كان شخصياً من قبل خصوم فكريين، وبعضها كان من قبل السلطات الرسمية. وفي عام 1954 طرد من الجامعة مع أكثر من خمسين أستاذاً كانوا يمارسون التعليم في اختصاصات مختلفة. كانوا شيوعيين وليبراليين. وكان لويس عوض محسوباً على الليبراليين. وكان ذلك القرار مؤلماً بالنسبة إليه، ومؤلماً بالنسبة إلى والدته على وجه الخصوص.
ويعتقد لويس عوض أن ذلك القرار التعسفي بحقه قد عجل في وفاة والدته. وفي عام 1959 تعرض إلى حملة أدت إلى فصله من موقعه في جريدة «الأهرام». وكان ذلك العام قد شهد حملة واسعة ضد الشيوعيين في مصر وفي سوريا، إقليميّ الجمهورية العربية المتحدة الناشئة حديثاً. وظل لويس عوض لفترة غير قصيرة تحت المراقبة.
إلا أن موقفه من الرئيس جمال عبد الناصر ومن الناصرية كان يختلف باختلاف المحطات السياسية. ورغم أنه كان يحاول الابتعاد عن العمل السياسي، فإنه لم يسلم مما كان يصيب السياسيين من نتائجها وتبعاتها. وكان من بين مواقفه من الرئيس عبد الناصر في مراحل معينة، قبل هزيمة يونيو، وبعدها على وجه الخصوص، أنه كان يرى فيه الرجل الأفضل من بين رفاقه في قيادة الدولة.
وكان يراه الأكثر أمانة لمواقفه في العمل لصالح الفقراء، رغم أنه لم يستطع الوفاء بما وعد به. وكان يرى فيه الزعيم الوطني، من دون أن يبرر له كل مواقفه. كان لويس عوض نموذجاً فذاً للمفكر العقلاني، المفكر الحر، المفكر الذي يرى إلى الأمور من موقع المستقل، الداعي إلى إدخال بلاده في طريق التقدم بكل معانيه وبكل ميادينه.
ويعتبره بعض المفكرين المصريين، الذين درسوا تجربته وتراثه، مفكراً موسوعياً ومفكراً تنويرياً. إذ هو ساهم بأفكاره في العمل على إحياء حركة نهضة جديدة، كان منتظراً منها أن تكمل النهضة العربية التي كان للمصريين وللعرب الذين عاشوا في مصر دور كبير فيها. وهي النهضة التي اغتالها وقضى عليها تخلف مجتمعاتنا. وكان هذا التخلف، وما يزال، السبب في استدراج الخارج للتدخل في شؤون بلداننا وفي إبقائها تحت السيطرة من خارجها، أو تحت سيطرة قوى تتحكم بمصائرها في ظل أنظمة استبداد متعددة الأشكال والصيغ.
صاحب مشروع ثقافي
كان لويس عوض واحداً من أكثر المثقفين العرب المعاصرين صاحب مشروع ثقافي تنويري نهضوي واضح المعالم وواضح الأهداف. وكان همه الدائم يتمحور حول ضرورة وكيفية تغيير مجتمعاتنا العربية، التغيير الذي يوفر الشروط الضرورية لجعل بلداننا مؤهلة للدخول في العصر الحديث وفي تحولاته، وتأخذ مكانها اللائق بها وبتاريخها وبتراثها، وبموقعها بين أمم العالم المعاصر.
وهو، إذ كان يؤكد على ضرورة تحديث مجتمعاتنا، فلأنه كان يرى أن المشكلة الأساسية التي تحول دون تقدم بلداننا تكمن في التخلف الاجتماعي والثقافي السائد فيها، وفي تدني مستوى الوعي لدى الكثرة الكبيرة من أبنائها، الذين تستولي على عقولهم التقاليد البالية، والخرافات، والبدع، وكل أشكال الغيبيات. لذلك فحين اختلف في خمسينات القرن الماضي مع عدد من المثقفين اليساريين حول شعار «الأدب للحياة» واستبداله بشعار «الأدب للمجتمع»، فقد كان يريد تحديد المعنى الحقيقي للربط بين الأدب وبين وظيفته الاجتماعية. الحديث عن لويس عوض لا ينتهي. فهو يشكل عالماً قائماً بذاته، أسوة بآخرين من كبار قادة الفكر في بلداننا وفي العالم.
كريم مروة
