منذ ظهور انفلونزا الخنازير أطلقت منظمة الصحة العالمية نواقيس الانذار في كل انحاء العالم، محذرة من المرض وداعية الى فرض أقصى درجات الحيطة. وكان المرض قد بدأ من المكسيك، ومنها انتقل الى بلدان آخرى. وتبعا لذلك فإن المنظمة رفعت حالة الخطر(حتى الآن) الى الدرجة الخامسة. وتعد منظمة الصحة العالمية المنوطة برصد ومتابعة انتشار الأمراض عالميا، وذلك منذ انشائها في العام 1948 كواحدة من منظمات الأمم المتحدة، ومن بين أهدافها أيضا دعم التنمية الصحية، وتعزيز البحوث الطبية، واقامة شراكة عالمية في كل مايخدم القضايا الصحية.
وتتخذ المنظمة من العاصمة السويسرية جنيف مقرا لها، وتضم 147 مكتبا فرعيا الى جانب ستة مكاتب اقليمية. ويقع المكتب الاقليمي لمنطقة شرق المتوسط في مدينة القاهرة، ويغطي هذا المكتب المنطقة العربية، ويتولى التنسيق بين دولها.
ويدير شؤون المنظمة مجلس تنفيذي يتكون من34 عضوا، ترأسهم مديرة عامة هي الطبيبة الصينية مارجريت تشان. وقد عينت في هذا المنصب في نوفبر 2006. ويعمل بمنظمة الصحة العالمية ثمانية آلاف طبيب، ينتشرون في 193 بلدا هم عدد أعضاء المنظمة، ويقومون على تنفيذ خططها من واقع شبكة واسعة تهتم بتبادل البيانات والمعلومات. واليوم يعيش كافة هؤلاء حالة تأهب لمتابعة تطور مرض انفلونزا الخنازير الذي تطلق عليه المنظمة اسم (ايه ـ اتش1.ان1).
ورغم الآمال التي يعلقها العالم على المنظمة، فإن الاحداث الأخيرة تشي أنها فوجئت بالمرض في أبريل الماضي فقط، على الرغم من أن أنباء صدرت من جانب بعض المصادر الأوروبية تقول ان المرض ظهر منذ بداية العام الحالي، وهو مايشير الى وجود خلل ما في عمل المنظمة، ربما يكمن في ضعف التواصل العالمي معها من جانب كثير من الدول، خاصة النامية لعدم امتلاكها بنية صحية قوية وفعالة في التعامل السريع مع الأمراض، التي يمكن أن تتحول الى أوبئة. وهذه القضية بالتحديد تشكو منها المنظمة في تقارير لها. وكثيرا ما دعت إلى تحقيق التواصل السريع والفعال، لكن التفاوت الاقتصادي والمعرفي بين الدول لايساعد على تحقيق هذا الهدف.
وهذا ما يستوجب البحث عن نظام انذار عالمي مبكر وفعال. والانتشار السريع لمرض انفلونزا الخنازير يحتم ذلك، بل يوجب على الأمم المتحدة وكافة منظماتها بما فيها مجلس الأمن الدولي(باعتباره المسؤول عن الأمن والسلم الدوليين) المشاركة في وضع نظام عالمي صارم ملزم، يساعد على التشخيص المبكر للأوبئة، ويحقق التواصل الاجباري السريع في الابلاغ عنها، باعتبار ما يجري في العالم حالة طارئة قد تؤدي الى كوارث صحية تكدر السلم العالمي من باب الأوبئة الفتاكة التي تنشر الفوضى في العالم.
ان أزمة انفلونزا الخنازير تستوجب عسكرة العالم طبيا، ليس فقط من جانب منظمة الصحة العالمية التي ثبت أن كثيرا من الأمراض صار يفوق قدرتها، وإنما على نطاق أوسع، وليكن ذلك بداية عبر وضع المؤسسات الطبية والبحثية العالمية المتقدمة تحت الإشراف المباشر للأمم المتحدة وفق خطة استراتيجية عالمية، وذلك في حالة استشراء المرض بشكل خطير.
وهنا يأتي دور الدول الغنية (رغم الأزمة الاقتصادية) في تمويل هذه الجهود من أجل التوصل الى لقاحات وأمصال عالمية تكفي كل بني البشر في مواجهة تفشي الأوبئة، خاصة وأن منظمة الصحة العالمية تحذر من أوبئة جديدة سوف تضرب العالم بقسوة خلال السنوات المقبلة، منها أوبئة ناجمة عن أمراض كانت قد اختفت طوال العقود الماضية. ان العالم بأكمله، بفقرائه وأغنيائه مقبل على حرب بيولوجية عاتية لم يستعد لها بعد، بدليل اعتراف منظمة الصحة العالمية بأنه لايوجد حتى الآن أي مصل فعال قادر على التعامل مع الفيروس الحالي لانفلونزا الخنازير، وأن الأمر قد يستغرق شهورا للوصول اليه.
أحمد الكناني
