رغم أن العلاقة بين الولايات المتحدة وبلدان أميركا اللاتينية والكاريبي تحكمها فصول قاتمة جذورها ضاربة في عمق التاريخ الحديث لهذه المنطقة من العالم ورغم أن الكلمة العليا في تلك العلاقة كانت على الدوام من نصيب الرجل الأبيض وعلى حساب سكانها الأصليين، إلا أن أفقاً يبدو أنه قد انبلج في سمائها إثر قمة الأميركتين الخامسة التي عقدت مؤخراً في مدينة «ميناء اسبانيا» في ترينيداد وتوباغو. لكن من الواضح أن الرغبات والتطلعات المثالية المجردة عن الواقع تحكم ذلك الشعور بالارتياح الذي ساد القمة وأشاع الشعور بالتفاؤل في سماء المنطقة.

العلاقات الدولية لا تحكمها التمنيات كما هو معروف، فحتى لو صدقت نوايا الرئيس الأميركي الجديد وحنت بشرته السمراء إلى أبناء جلدتها، إلا أن حزمة من المصالح القوية هي الوحيدة القادرة على توجيه بوصلة تلك العلاقة وفقاً لاعتبارات تتعلق بما يرضي أصحاب تلك المصالح وحدهم، الذين اعتادوا على التعامل مع بلدان أميركا اللاتينية والكاريبي ضمن إطار ما كان يعرف بجمهوريات الموز مع مراعاة اختلاف الأسماء والمسميات، التي لم تبدل من جوهر تلك العلاقة بشيء.

حتى لو صدقت النوايا، فإن الولايات المتحدة نفسها تبقى غارقة في مستنقع الأزمة المالية العالمية التي أخذت فصولها تطال المرافق الاقتصادية نفسها، بشكل انعكس بقوة في مداخلات ونتائج القمة، التي وقفت عاجزة بدورها وجراء هذا التوصيف لموقع الولايات المتحدة وتردي اقتصادها وهي العملاق القوي الذي يفترض أن يمد يد العون إلى أشقائه في الجنوب ـ وقفت عاجزة أمام تلك الأسئلة الكبرى المتعلقة بمحاولات، إيجاد مخرج أو مخارج من تلك الأزمة الطاحنة.

بلدان جنوب القارة الجديدة ترى أن النظام الرأسمالي العالمي، الذي تقوده الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يشكل بذاته عامل هدم وليس بناء للاقتصاد العالمي عموماً ولاقتصادها خاصة، فذلك النظام يمر بهذه الأزمة الخانقة لأنه يقوم على مبدأ الاستغلال، الذي يعد جوهر النظام الرأسمالي، الذي يولد الجوع والموت والعذابات لشعوب بلدان ما يسمى العالم الثالث، الذي تحتل بلدان أميركا اللاتينية والكاريبي موقع القلب فيه.

وفي حين تدعو الولايات المتحدة وبقية الممثلين الكبار للنظام الرأسمالي العالمي لإيجاد مخرج لتلك الأزمة من قلب النظام نفسه، فإن معظم بلدان أميركا اللاتينية وربما الكثير من بلدان وشعوب العالم ترى أن تلك المحاولات لا تعدو كونها محاولات ترقيعية لا تسمن ولا تغني من جوع وأن المخرج الحقيقي يتمثل في الدعوة لقيام نظام اقتصادي عالمي جديد قائم على التعاون وليس على المنافسة وعلى العدالة الاجتماعية وليس على الحروب.

وعلى ضوء انعدام إمكانية الاستجابة لتلك الدعوة البريئة، لجأت بلدان أميركا اللاتينية والكاريبي إلى خيار خاص بها محوره إنشاء مؤسساتها التي تضمن لها سيادتها، حيث ترى أنه لا بد من إنشاء نظام مالي جديد تشارك فيه بلدان العالم كافة على أن يحل محل صندوق النقد والبنك الدوليين، ولقد أصبح لذلك الخيار معطيات ملموسة على الأرض تجلت في تفعيل منظمات إقليمية أخرى مثل منظمة «ألبا»، التي تسعى إلى تكثيف التعاون بين الدول الأعضاء فيها في كافة الميادين حتى وصل الأمر حد الدعوة إلى إنشاء عملة افتراضية يتم التداول بها بين بلدان هذه المنطقة عوضاً عن الدولار الأميركي، إن لم نقل في مواجهته.