من تقاليد واشنطن، أن يجري تقويم لحصيلة أول مئة يوم من حكم الرئيس الجديد. يشارك في العملية خليط من الخبراء ورجال الصحافة والمؤرخين والأكاديميين. النتيجة الراجحة، تكون بمثابة مؤشر مبكر لرئاسته؛ ولو أنها لا تعتبر صالحة للحكم عليها. بالنسبة للرئيس أوباما، الذي أكمل هذه المدة يوم الأربعاء الماضي، كان لهذا التقييم أهمية خاصة. وجاء بما يفيد أنه، بالمقاييس العادية، اجتاز ساكن البيت الأبيض الجديد الامتحان الرئاسي بنجاح بارز. لكن بمقاييس ظروفه والمأمول منه، بقيت رئاسته، حتى الآن، أقل من زعامة.
رئاسة أوباما غير مسبوقة. لا في الأساسيات ولا في التحديات. كما لا يجاريها سلف بالتفويض الشعبي. مجيء هذا الرئيس بحدّ ذاته، تحوّل تاريخي. ما كان أقل من ثورة. ثم لم تعرف أميركا مثيلاً للحظة اختياره. رئيس يأتي والبلاد في حربين نازفتين، في الخارج؛ مع انهيار مالي، أدّى إلى ركود اقتصادي عالمي مفتوح.
المعادلة إذ ذاك: رئيس غير اعتيادي لظروف غير اعتيادية. التوقعات منه، كانت ـ ولا تزال ـ عالية. عدم تحقيقها يهدّد رئاسته. هو مطالب بانجازات توازي الثقة الكبيرة به والمراهنة التي عقدت عليه. بصرف النظر عن ضخامة التحديات. الغرم بالغنم. من هنا كان عليه، من البداية، أن يمارس كزعيم وليس كرئيس فقط. أن يستقوي برصيده الكبير لتمرير القرارات الكبيرة واكتساح الألغام من طريقها. خاصة تلك التي يزرعها الكونغرس وقوى الضغط والمصالح الضيقة. لكنه نأى عن سياسة الاقتحام، المشروعة التي تبرّرها دقة وخطورة التحديات العاتية.
الحصيلة كانت اضطراره للتراجع عن وعود داخلية؛ يأخذ عليه حتى بعض مؤيديه أنه تهيّب المواجهة مع الكونغرس بشأنها. اتخذ خطوات بخصوص الأزمة المالية ـ الاقتصادية. لكنه، حتى اللحظة، لم يرغم المصارف وكبار المسؤولين في الشركات، على التعاون مع برنامجه.
ربما خشي من الحملات المضادة والتي عملت بعضها على ترويج الشائعات بأنه يعدّ لتنفيذ خطة تأميم والإطاحة بنظام السوق! والمعروف أنه من دون مثل هذا التعاون، تبقى معالجته للأزمة مهدّدة بالانهيار. أما في السياسة الخارجية، فقد كان لخطابه ومبادراته ولقاءاته وقعاً جيداً. لكن في ذات الوقت، لا تزال هذه السياسة من دون بوصلة. لها عناوين. إنما لا آليات. يتولى تسييرها فريق من المبعوثين، من غير رأس موجه وواضح.
وربما لذلك شهدت، خلال هذه الفترة، تراجعات. أبرزها كان سكوته عن اللوبي الإسرائيلي في واشنطن ورضوخه لضغوط هذا الأخير، الذي فرض على مرشح الإدارة لمنصب رئيس هيئة وكالات الاستخبارات الأميركية ال16، سحب ترشيحه ـ لأن إسرائيل غير راضية عنه ـ؛ من دون أن يتحرك البيت الأبيض لدعمه.
ويبدو أن سياسته الخارجية وإلى حدّ بعيد رئاسته، ستكون مرهونة بكيفية تعامله مع إسرائيل. «عليه وضع مشروع التسوية على الطاولة وإبلاغ المعنيين بأن هذا هو ما يريده؛ وأن يفعل ذلك الآن. وإلاّ سيتولى نتانياهو فرض الأجندة وليس نحن. وهذه كارثة»، كما قال زبغنيو بريجنسكي محذراً.
في المئة يوم الأولى، أكّد أوباما حضوره كرئيس. رصيده، مازال الأعلى؛ بعد انتهاء هذه الفترة. من المبكر الحكم على رئاسته. المجال أمامه مفتوح لترجمة التغيير، بما هو مغادرة للموروث؛ إن على صعيد الأزمة المالية وإن على مستوى السياسة الخارجية. لكن فسحة الوقت لن تطول. وعليه إثبات أنه قائد وليس فقط رئيس.
