في كتابه «الاستشراق» راح إدوارد سعيد ينتقد بحدة ما رآه محاولة من الغرب بشكل عام خلق وتخليد صورة أو تمثيلاً معيناً للشرق ـ عالم الإسلام في غالب الأحوال ـ ضعيف الصلة بما هي عليه فعلياً تلك الأجزاء من العالم التي صورت بهذا الشكل.
ورغم الثورة التي مثلها الكتاب في مجال موضوعه، إلا أن هذه الرؤية لاقت انتقادات كبيرة إلى الحد الذي راح معه مفكر مثل صادق جلال العظم ينتقد سعيد باعتباره يعزز النظر الإسلامي للغرب على نفس الخلفية التي ينتقده انطلاقاً منها وهى التنميط أو اعتباره كياناً واحداً وكتلة مصمتة لا تمايز بين مكوناتها أو ما وصفه العظم بـ «الاستشراق معكوساً».
ورغم أن سعيد انتهى إلى أن الرد على الاستشراق ليس هو «الاستغراب» الذي سيكون مجوهراً بنفس الدرجة وتوضيح وجهة نظره في الطبعة الجديدة من «الاستشراق» والإشارة إلى أن كتابه فهم خطأ في العالم العربي والإسلامي وأن هذه القراءة تعد بتعبيره «هراءً تاماً».. إلا أن المشكلة أن ما بذره سعيد ما زال قائماً لدى قطاعات كبيرة في العالم العربي والإسلامي وخاصة ممن تدرج في عداد المثقفين.
نورد هذه المقدمة، التي قد تبدو طويلة بعض الشيء وإن كانت لازمة، في معرض تناول العالم الإسلامي لمواقف الرئيس الأميركي الجديد أوباما. فقد تلقى الكثيرون دعوته للمصالحة بالتشكك ـ ورغم أن هذا قد يكون في سياق ما أمراً طبيعياً ـ إلا أن المبالغة في هذا الأمر قد تعبر عن جانب مرضي ينبغي التخلص منه، وعما يمكن وصفه بمشكلة على صعيد التصورات الإسلامية عن الغرب.. والتي تتركز، حسب توصيف الدكتور عبدالإله بلقزيز، لهذه الرؤى على كونه.. عدوانياً ذا نزعة مرضية لإشهار التفوق وتأكيد المركزية الذاتية.
ورغم صحة بعض الأسس التي تنطلق منها هذه الرؤية، إلا أن المشكلة هي تعميمها إلى حد تصوير الغرب كله باعتباره ينزع للتشدد والكراهية لكل ما هو إسلامي، وعدم محاولة إدراك ورؤية أنه قد يكون هناك معتدلين في الغرب يسعون لتفهم قضايانا بشكل يمكن معه تجاوز ما نراه مظالم تاريخية ومعاصرة ارتكبها هذا الغرب في حقنا، وأن هؤلاء المعتدلين ينتشرون في كافة أطياف المجتمع سواء كبشر عاديين أو كمفكرين وكتاب أو حتى كرؤساء قد يكون من بينهم شخص على شاكلة أوباما.
لا نريد أن نعرض هنا قائمة طويلة عريضة بمن يتفهمون قضايانا ويعرضون لها بشكل منصف بشكل يتجاوز ما يمكن أن نعرضه نحن. صحيح أن التيار الغربي المتشدد تجاه العالم الإسلامي هو المتسيد والأكبر، إلا أن ذلك لا ينبغي أن ينفي في منظورنا وجود تيار آخر ينبغي العمل على تشجيعه وزيادة مساحة تأثيره في تشكيل الرؤى الغربية عنا كمسلمين.
وإذا كانت شخصية مثل دانييل بايبس أصبحت رمزاً للعداء للإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة حيث «تنز» كراهية لكل ما هو إسلامي، فإن ما يجب علينا تجنبه هو أن يكون بيننا بايبس آخر مسلم أو «بايبسات» آخرين، الأمر الذي نحسب أننا أخفقنا فيه، حيث ان معارضة المصالحة بين الإسلام والغرب والولايات المتحدة تحديداً انطلاقاً من تهويمات عامة ولا لشيء إلا أن هذه الدعوة صادرة من رئيس أميركي، وأنه لا بد أن وراءها ما وراءها، يشير إلى أن التشدد عندنا لا يقل عما هو عليه عند بايبس.. المرض الذي ينبغي أن يتخلص منه متشددو الطرفين.
