في الساعة الثانية عشرة من ظهر اليوم الأخير من شهر أبريل الحالي.. يكمل «باراك أوباما» أيامه المئة الأولى من ولايته في رئاسة الولايات المتحدة. ومن تقاليد السياسة الأميركية أعداد كشف حساب، أشبه بقائمة حصر أو جرد، بالإجراءات التي تتخذها الإدارة ورئيسها، بما في ذلك بداهة هيئة معاونيه ومجموعة مستشاريه سواء كانت إنجازات أو كانت سلبيات.

نفس التقاليد هي التي تدفع المحللين المهتمين بالشأن السياسي إلى استعراض أجندات أو جداول الأعمال، وخاصة في مضمار السياسة الخارجية بحكم الموقع بالغ التميز التي تشغله أميركا في إطار العالم والعصر.

ومن خلال متابعتنا عن كثب لهذا البعد من أبعاد السياسة الأميركية، استرعى اهتمامنا العدد التذكاري لمجلة «وورلد بوليسي جورنال» الصادر مؤخراً، احتفالاً بمرور 25 عاماً على إصدار هذه المجلة الفصلية، التي تعد الآن في طليعة الدوريات بالغة الرصانة من حيث اعتدال اللهجة ودقة التحليل في تناول قضايا السياسة العالمية.

شاءت «وورلد بوليسي» أن تعدّ، على مسؤولياتها ما يمكن أن نصفه بأنه أجندة السياسة الخارجية للرئيس أوباما.. كي يطلع عليها بعد انقضاء أيامه المئة الأولى في موقعه الجديد. عمدت المجلة إلى توجيه كل بنود هذه الأجندة إلى أوباما شخصياً وهي تعلم انه قارئ شغوف وقانوني ضليع.

ملف متنوع

لهذا جاء هذا الملف الفكري ـ السياسي تحت عنوان مستقي بالطبع من المصطلحات الإعلامية المتداولة وهو: «عزيزي السيد الرئيس!» تحت هذا الخطاب الرقيق انطلق محللو السياسة الأميركية في نشر دراساتهم ورؤاهم بشأن القضايا الدولية التي لا بد وأن تنشغل بها ماكينة السياسة الخارجية والعلاقات العالمية للولايات المتحدة: ما بين قضايا نصف الكرة الغربي.. ابتداءً من كندا..

الجار الشمالي الموسر والهادئ (ولو تحت السطح) لواشنطن.. وليس انتهاءً بالجار المكسيكي إلى الجنوب حيث تشتد سخونة الموقف على الحدود الأميركية ـ المكسيكية، مع استشراء نفوذ عصابات تهريب المخدرات من المكسيك إلى دواخل أميركا نفسها.. وهو ما دفع أوباما إلى أن يزور الجار المكسيكي في منتصف أبريل وقبل أي طرف آخر من جيران أميركا سواء الجيران في أميركا الوسطى. والبحر الكاريبي وفي مقدمتهم بالطبع كوبا المشاغبة أو فلنقل المتمردة على وصاية واشنطن.. أو في مجمل قارة أميركا اللاتينية التي دأبت السياسة القومية الأميركية على اعتبارها الفناء الخلفي للولايات المتحدة.

وبمناسبة كوبا بالذات فقد توقفنا ملياً عند الفصل الخاص بها فيما نشرته مجلة «وورلد بولسي» وفيه ينصح البروفيسور «ويليام لوجراند» عميد كلية الشؤون العامة بجامعة واشنطن ببدء مفاتحات للتواصل مع كوبا.. ويطرح ما يصفه بأنه «خارطة طريق» تحمل عنواناً يدعو إلى تنقية الأجواء مع نظام كاسترو في الجزيرة الكاريبية التي ظلت تعاني الحصار الاقتصادي الأميركي الخانق على مدار 50 عاماً من عمر الزمان.

توافق الفكري والسياسي

من ناحيتنا فنحن نرصد في هذا السياق ظاهرة التوافق بين ما يذهب إليه المفكر السياسي وبين ما يقدم على اتخاذه رجل الدولة، المسؤول صانع القرار.. والمعنى أن أستاذاً مفكراً يطرح مثل هذه الدعوة إلى تفاهمات مع كوبا.. فإذا بقرار رئاسي.. تنفيذي يصدر مع مطالع الشهر الحالي لتخفيف الحصار الاقتصادي عن كوبا.. وخاصة ما يتعلق بتحويل الأموال من أميركا إلى العائلات الكوبية أو بتخفيف قيود السفر بين البلدين.. بل يشفع هذا القرار الرئاسي بإشارة تلميح لا تخفى دلالتها إلى أن هذا الإجراء له ما وراءه تخفيفاً أو تقارباً بين الطرفين.

أما «شيرلي شوينغر»، وهو من مؤسسي مجلة «وورلد بوليسي» فقد عمد إلى توسيع منظور رسالته إلى «عزيزي السيد الرئيس».. لكي يكتب دراسته تحت العنوان التالي: كيف ننقذ العالم؟

وبديهي أن دعوة الإنقاذ موجهة إلى أميركا أولاً.. وإن كانت الدراسة تبدأ بتسليم محمود في رأينا ـ بأن «اقتصاد أميركا» لم يعد هو قاطرة الطلب الاقتصادي القادرة على تخليص العالم من أزمة الركود التي تستبد بمقاليده في هذه الأيام. هذا التسليم يقود بحكم التعريف إلى طلب التعاون والتضافر من جانب الاقتصادات الأخرى المؤثرة في عالمنا.

استراتيجية دولية

وفي هذا السياق بالذات تدعو الدراسة إلى رسم ما تصفه بأنه الاستراتيجية الدولية للرئيس أوباما وإدارته.. وتؤكد أن في مقدمة محاور هذه الاستراتيجية العمل من جانب أوباما مع هذا كله.. فنحن نلاحظ التركيز بالذات على حالة الصين التي تكاد الدراسة الأميركية تنعى عليها ما شهدته سنوات العقد الماضي من زيادة كبيرة في عنصر توظيف الاستثمارات ومراكمة المدخرات على عنصر الاستهلاك ولدرجة ارتفع فيها معدل الادخار الصيني بصورة غير اعتيادية ليكاد يبلغ 50 في المئة!

ولكي يدلل المفكر الأميركي على تحجيم الاستهلاك عند أصدقائنا في الصين يعمد إلى إيراد الحقيقة الإحصائية الطريفة التالية: الصين (بكل ملياراتها من السكان) تضم نصف ما تضمه أوروبا من أجهزة تلفزيون، وربع ما عند الأوروبيين من أجهزة حاسوب (كمبيوتر) وثلث ما تستخدمه أوروبا من هواتف نقالة.

في نفس السياق يقول شوينغر: إن إدارتك ـ يا سيادة الرئيس أوباما بحاجة إلى توجيه رسالة إلى المسؤولين في بكين عاصمة الصين تقول لهم على المكشوف ما يلي: أيها السادة: أنتم مطالبون ـ بعد إذنكم ـ بزيادة في الطلب على الاستهلاك من أجل إنقاذ الاقتصاد العالمي، الذي لو تصدعت أركانه تحت وطأة الأزمة الحالية فلن تنجو منها بلادكم التي تعتمد ـ كما لا شك تعرفون ـ على صادراتها إلى عالم لو استمرت وعكته الاقتصادية لامتنع عن الشراء منكم.. وحاقت بكم ـ حاشا لله ـ غوائل البوار والكساد.

وتمضي الرسالة المفترض توجيهها من واشنطن إلى الصين لتقول أيضاً: على قادة الصين أن يعملوا لرفع مستوى معيشة مواطنيهم كي يستهلكوا أكثر وينفقوا المزيد على مجالات الصحة والتعليم والترفيه ورعاية المسنين والمتقاعدين من أبناء الشعب الصيني.

وتضيف الدراسة الأميركية ـ لا تنس يا سيادة الرئيس أوباما ـ أن تحث قادة الصين على رفع قيمة عملتهم «اليوان» مقابل عملتنا الدولار، باعتبار أن الأوضاع الحالية للعملتين أسفرت عن رخص الصادرات الصينية التي غزت أميركا والعالم فأحدثت خللاً خطيراً في موازين المدفوعات والتجارة بين الدولتين.. ولصالح الصين على طول الخط. وهو ما أتاح للصين مؤخراً أن تقفز إلى المجال الحيوي لواشنطن. في أميركا اللاتينية وفي يدها سلة معونات لأقطارها في حدود 35 مليار دولار.

عند هذا المنعطف من التوصيات الموجهة، كما ألمحنا ـ إلى الرئيس أوباما، نلاحظ أن الدراسة تدلف إلى اتجاه جدير من جانبنا باهتمام عميق. لماذا؟.. لأنها تقترح التماس السبل الكفيلة بما تسميه «إعادة تدوير» جزء من الفوائض المستحقة لحساب الاقتصادات القوية في عالمنا (ومنها اقتصادات نفطية إلى جانب دول كاليابان أو أميركا أو البرازيل) وبأسلوب تصفه الدراسة بأنه أقرب إلى تعزيز النمو الاقتصادي بدلاً من (الاقتصار) على الأسلوب المتبع حالياً بشراء سندات الخزانة الأميركية ومراكمة احتياطيات من النقد الأجنبي.

ويمعن هذا الاقتراح في نفس المنحى حين يشير على الرئاسة الأميركية وهي تطرق أبواب المئة يوم الثانية من عمرها، لكي تحض على استخدام جزء آخر من تلك الفوائض الطائلة لدعم اقتراح ما زال مطروحاً على طاولة البيت الأميركي الأبيض ويحمل هذا الاقتراح العنوان التالي: إنشاء صندوق مالي لأغراض الانتعاش الاقتصادي العالمي.

معالجة مشكلة الديون

وفي مقدمة الأهداف التي يتوخاها الصندوق المقترح ما يتمثل في معالجة مشكلة الديون المستحقة على بعض الدول، ودعم تنفيذ المشاريع القومية الكبرى التي قد تحتاجها الاقتصادات النامية على مستوى العالم لتحقيق الهدف المزدوج المنشود وهو:

ـ إنشاء أو استكمال هياكل ومرافق البنى الأساسية اللازمة من طرق معبّدة أو سدود وما في حكمها من مشاريع لتلبية الاحتياجات المائية أو صروح إنمائية كبرى مثل المطارات أو الجامعات أو المدن السكنية أو مرافق الإنتاج الصناعي أو الزراعي.

ـ إيجاد المزيد من فرص العمل لملايين العاطلين وخاصة شباب وشابات الخريجين، بما يعنيه ذلك أولاً من تزويدهم بقدرات اقتصادية تنعكس إيجاباً بالتالي على صحة حركة الاستهلاك والإنتاج.. فيما تجنب المجتمع ثانياً المشكلات التي تنجم تقليدياً عن آفة البطالة سواء من حيث الخلل الأمني أو زعزعة الاستقرار أو تيار الهجرات غير المشروعة أو السقوط في براثن المخدرات والضياع.

هنا يمكن أن يكون الحل في يد صندوق النقد الدولي. والحاصل أن ثمة بلداناً عديدة طرقت أبواب الصندوق الدولي في العاصمة واشنطن طالبة العون ولا سيما من أجل التخفيف، ولو جزئياً، من عبء ما ترزح تحت وطأته من صنوف الديون (الدراسة تسرد منها أقطاراً مثل أيسلندا أو هنغاريا أو باكستان أو أوكرانيا) وكلها تصفها الدراسة بأنها ما برحت تعاني أزمات السيولة النقدية من جراء الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة.

بل تضيف الدراسة موضحة أيضاً أن ثمة أقطاراً سوف تواجه نفس أزمتي الديون ونقص السيولة، يستوي في ذلك أصقاع شرق أوروبا (الشيوعية سابقاً) أو أقطار في إفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية.

كلها سوف تلجأ إلى صندوق النقد الدولي: ومشكلتها أن الصندوق ـ مع كامل التقدير ـ لا يملك عصا سحرية لحل تلك المشكلات: إن موارد الصندوق الدولي لم تساير في زيادتها معدلات نمو الاقتصاد العالمي. وكل ما يحتكم عليه الصندوق الدولي من «حطام» الدنيا هو مبلغ 250 مليار دولار فقط لا غير يمكن أن يستخدمها في مواجهة أزمة البلدان الرازحة تحت أعباء المديونية. وبديهي أن المبلغ المذكور يتصاغر، إن لم يتضاءل، أمام المبالغ الطائلة التي اعتمدتها ميزانيات الاقتصادات الكبرى (أميركا مثلاً) لحساب خطط التحفيز (Stimulus) أو الاستنقاذ (Bailout) من براثن الأزمة الراهنة.

مساندة اقتصاد أميركا

أفكار كثيرة.. ومقترحات أكثر.. بعضها له طابع عمليّ وبعضها الآخر يحتاج إلى إمعان في التفكير، وكلها ـ كما يعترف هذا الخطاب الاقتصادي ـ السياسي الموجه إلى الرئيس أوباما ـ يشكل برنامجاً يستهدف موضوعياً وعملياً محاولة مساندة اقتصاد أميركا والعالم بمعنى حمايته من التصدع أو التهاوي لمواجهة وحوش الأزمة في الأجل القصير.

وهي فترة تصفها الدراسة الأميركية التي نحيل إليها بأنها «مرحلة من التعديل والتكييف المؤلم» بكل المعاني. وقصاراها أن تهيئ أميركا والعالم إلى مرحلة الأجل الطويل، حيث يضعان أقدامهما على طريق تعزيز الإنتاج وتحسين مستويات المعيشة وزيادة الاستثمارات ومن ثم رفع الأجور وتلبية الاحتياجات الأساسية لجماهير الناس.

وبعد.. سيادة الرئيس أوباما...

هكذا يتكلم المفكر الأميركي...

في يدك أنت وإدارتك تحويل هذه الأزمة الخانقة إلى فرصة سانحة، ومن ثم تحويل الفرصة إلى حقيقة دامغة: مطلوب منكم فقط أمور أساسية وتتمثل في خطة إنعاش تتجاوز الأفكار التقليدية المتعارف عليها.

لكن مفتاح هذا كله يكمن في كلمة واحدة وهي: التفاؤل.

بقلم: محمد الخولي