من بين النتائج التي أفرزتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، انتقال القضية الفلسطينية إلى الحضن الإسلامي. وكان الموقف التركي الفاعل الذي صاحب هذه الحرب منذ بداياتها خير دليل. ففي الوقت الذي كانت فيه الدول العربية منقسمة على نفسها بين متواطئ مع إسرائيل وبين مساند للمقاومة الفلسطينية عاجز عن الفعل، كانت تركيا الأقوى صوتا في الساحة الدولية، والأنشط تحركا في الساحة العربية. واستطاعت تجاوز العجز العربي باتجاه التأثير في السياسة الدولية.
وتمكنت من احتضان القضية الفلسطينية وجعلت الحرب محور اهتمام العالم من موقع الإدانة لإسرائيل. ووضعت القضية الفلسطينية في قلب اهتماماتها وتجلى ذلك في مواقف عدة على لسان رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان عندما تحدث عن دور الدولة العثمانية في إيواء اليهود الهاربين من اضطهاد أوروبا، معتبرا أن قضية فلسطين تفرض نفسها بقوة على تركيا تاريخا وحاضرا. وكانت هذه المعاني حاضرة عندما اعتبر أردوغان إسرائيل دولة مارقة يجب طردها من مجلس الأمن، وكذلك عندما تصدى للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بقوة في منتدى دافوس.
مثل هذه المواقف ثابتة في السياسة الإيرانية، ووردت مرارا على لسان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، وتجددت في مؤتمر( ديربان ـ 2) قبل أيام في جنيف، فقد ذكر الصهاينة مجددا بأنهم قدموا من أوروبا إلى فلسطين ليقيموا دولة عنصرية على حساب أصحاب الأرض.
هذه التطورات تحدث بينما يتردى وضع العرب من خانة العجز إلى خانة التآمر على كل أشكال المقاومة ضد إسرائيل، فبعض الدول العربية صارت ترى في انجازات حركات المقاومة واقعا محرجا لها، فهي تحارب وتنتصر بأبسط الأسلحة، بينما الدول تتسول السلام المستحيل.
منذ الحرب على غزة لم ينجح العرب في إدخال طوبة واحدة لإعادة اعمار ما دمرته الحرب، على الرغم من المليارات التي أعلن عن رصدها في قمتين عربيتين، وكانت النتيجة أن بقيت آلاف الأسر الفلسطينية في العراء الذي يفضح العورات العربية. لقد كان الحضن العربي تاريخيا هو المتسيد للمشهد الفلسطيني، بينما كانت معظم الدول الإسلامية تتهرب من واجباتها تجاهه، لأنها كانت في تابعية السياسات الأميركية الصهيونية، بينما كان العرب يناضلون حفاظا على حقوقهم. أما اليوم فقد تبدلت المواقع، صار العرب أكثر تابعية، بينما تحررت الدول الإسلامية المحورية.
إن تطورات الأحداث تكشف كل يوم تقدما إسلاميا باتجاه القضية الفلسطينية، في مقابل تهرب عربي من استحقاقاتها، مما يرشحها للخروج بدرجة أكبر من محيطها العربي للاعتماد أكثر على البديل الإسلامي سياسيا واقتصاديا وعسكريا. وسوف تجد دول إسلامية كثيرة، خاصة تركيا وإيران، في القضية الفلسطينية فرصة للتواجد بقوة في قلب الوطن العربي، بل في قيادة تحالفاته وصراعاته. وفي المقابل، وكما تشير كثير من الشواهد، فان بعض الدول العربية تتجه بقوة إلى التقارب مع الكيان الصهيوني من أجل تحقيق مصالح ضيقة.
الجغرافيا العربية اليوم لم تعد ملك أهلها، فهي تتفلت منهم إلى معابر أخرى تتجه إلى دول الجوار. فالحرب على غزة، ونتائج قمة الدوحة الأخيرة، وزيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى تركيا، سحبت دول الجوار بقوة إلى قلب الجغرافيا العربية. وسواء أحب العرب ذلك أم رفضوه فان الأمر صار أقوى منهم، لأن دولهم استقالت من دورها القومي، ولم تعد تمتلك أية بوصلة استراتيجية تمكنها من التفاعل مع القريب أو البعيد إلا من موقع التابع الذليل.