27 عاماً مرت على عودة سيناء إلى أحضان الوطن الأم مصر. «تحررت» أرضها.. طبقا لاتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام التي وقعها الرئيس الراحل أنور السادات مع إسرائيل قبل 30 عاما. فهل كسر تحريرها «السلمي» الحاجز النفسي بين مصر والكيان الصهيوني الذي تحدث عنه السادات أمام الكنيست، وهل أتى بعد العودة السلام الموعود والرخاء المنشود كما كان يردد؟

الشعب المصري العريق الذي خاض أربعة حروب مع الكيان الإسرائيلي، آخرها حرب اكتوبر المجيدة التي كانت ملحمتها الرائعة يوم أن عبر جند الشعب حائط بارليف المنيع محطمين وقتها نظرية الأمن الإسرائيلي وحاجز الخوف من أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر، لم يقبل حتى الآن سلاما ولا تطبيعا مع تلك الدولة المصطنعة.

ويكفي القول انه لم يقبل حتى بوجود الموسيقار اليهودي دانيال بارنبويم على أرضه لأنه يحمل جنسية إسرائيلية رغم أن السلطة الفلسطينية كرمته بمنحه الجنسية الفلسطينية تحت ذريعة أنه من دعاة السلام ورغم أنه قال في مؤتمر صحافي في قاهرة المعز قبل أسبوع أن وجوده في مصر ليس تطبيعا ولكنه إيمانا بدوره الفني ـ حسب قوله ـ في صنع السلام مع صديقه المثقف الفلسطيني الأشهر إدوارد سعيد.

المصريون لا يستطيعون أن «يبلعوا» فكرة السلام مع دولة فوجئوا باجتياحها الإجرامي لبيروت بعد أقل من شهرين من عودة سيناء وارتكاب سفاحها شارون مذبحة صبرا وشاتيلا. وقبل ذلك وفي الشهور الأخيرة من رحيل الرئيس السادات وقبل اكتمال الانسحاب من سيناء، كانوا قد صُدموا بغارة إسرائيل على العراق وتدميرها مفاعلها النووي. ثم واصلوا عدوانهم ومذابحهم ضد الفلسطينيين وآخرها جرائمهم في غزة.

27 عاما وسيناء في أحضان مصر، ولكن لا سلام ولا كلام يجمع إسرائيل بشعب الكنانة. شهود عيان من الخارج، تحدثوا عن وهم السلام بين مصر وإسرائيل. مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» في القاهرة مايكل سلاكمان، قال مثل غيره من المراقبين، ان معاهدة السلام لم تحقق الوعود التي تعهد بها السادات حين وقع الاتفاق وهي وعود بتحقيق الرخاء الشامل والسلام الشامل كما كان يردد. وقال سلاكمان ان الرأي العام في مصر متشائم، وأن أجيال الشباب لا ترى ميزة في معاهدة السلام وكامب ديفيد بعكس الأجيال السابقة التي لا تزال تتذكر بشاعة الحرب على حد تعبيره. وهذا الانقسام كما قال هو أحد أسباب قلق الولايات المتحدة وإسرائيل مما قد يحدث مستقبلاً.

وكان أحرى بالمراسل سلاكمان أن يكمل رسم الصورة، ولا يكتفي بالجانب المصري. فعلى الجانب الإسرائيلي، كشفت صحيفة هاآرتس مؤخرا، أن 89 ؟ من الإسرائيليين ـ حسب آخر استطلاع للرأي ـ يرغبون في إعادة احتلال سيناء، إما بشكل كلي أو جزئي! وقال المعلق الإسرائيلي بالصحيفة أمير أورن أن الجيش الإسرائيلي استفاد من معاهدة السلام مع مصر، وقام بخفض الميزانيات العسكرية الموجهة إلى الجبهة الجنوبية وألغى «اللواء الجنوبي»، الذي انحصرت مهمته في التصدي لأي عملية عسكرية مصرية، مضيفاً أن قيادة الأركان الإسرائيلية، تشعر بالندم الآن وتسعى لإعادة تشكيل هذا اللواء في المستقبل القريب.

وهناك تقييم لمعاهدة السلام مع مصر كشف عنه وزير الأمن الإسرائيلي السابق آفي ديختر. قال ان ميزة السلام مع مصر هي تجريد مسافة بعمق 350 كيلومتراً من السلاح المصري فوق أرض سيناء. وأضاف «انسحبنا من سيناء وضمننا أن تبقى رهينة.. ومحظور على الجيش المصري الانتشار فيها.. وهذا أكبر ضمان لاحتواء أي تهديد افتراضي من مصر»!