اختلط الأمر على الذين تابعوا قمة «دوربان 2» في جنيف. بالأساس هي مخصصة لمحاربة العنصرية. لكن في التحضير لها، كما في انطلاق أعمالها، بدت وكأن البعض أراد لها أن تكون فقط معنيّة بحماية إسرائيل من أي تهمة أو إدانة؛ في هذا الخصوص. هذه الآفة التي عانت منها البشرية لقرون، ما عاد من الجائز استمرارها في عصرنا. لكن بقاياها منتشرة في أكثر من بقعة.
من أشرس ألوانها، تلك التي تمارسها إسرائيل؛ بحق الشعب الفلسطيني، في الأرض المحتلة كما في أراضي 48. تهمة موثّقة يعرفها الكثيرون ولو أن القليل منهم، تجرأ وتحدث عنها صراحة؛ كما فعل الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، في كتابه. الخوف من أن يقوم المؤتمر بتحريك هذه التهمة وإدانة إسرائيل من جديد، حمل واشنطن وآخرين معها؛ على مقاطعته.
المسألة ليست جديدة. تعود إلى مؤتمر دوربان الأول، في جنوب إفريقيا، الذي نظّمته الأمم المتحدة عام 2001. آنذاك كان البلد المضيف قد خرج، قبل حوالي سبع سنوات، من نفق نظام الأبارتايد المقيت. وكان من الطبيعي، إذ ذاك، أن يتجّه التصويب بقوة نحو إسرائيل؛ باعتبارها المعقل الأبرز الباقي في العالم، للعنصرية. وضعها في وسط دائرة الضوء، ردّت عليه واشنطن وتل أبيب، بالانسحاب من المؤتمر؛ تحت زعم أن المداولات تخللتها هجمة معادية للسامية.
كما كان الانسحاب هروباً من الاعتذار عن الماضي العنصري في أميركا. معزوفة السامية، سلاح استخدمته إسرائيل وحلفاؤها، بفعالية؛ على خلفية الهولوكست، خلال الحرب العالمية الثانية. قبل أن يفتح أي معترض على سياسات إسرائيل، فمه؛ يشهر بوجهه هذا السلاح؛ إما لمحاولة تمييع وتشويه نقده وإما لإخراسه وإرهاب الآخرين فيلتزموا السكوت.
هذه المرة، قامت إسرائيل والقوى الصهيونية في الغرب، بحملة مبكرة؛ لمقاطعة دوربان الثاني. آزرها في ذلك الحلفاء؛ من واشنطن إلى باريس وبقية الأوروبيين، بدرجة أو بأخرى. الذريعة المتهافتة، كانت نفسها: أن المؤتمر الدولي هذا لا يستهدف سوى إسرائيل. الغاية منه استخدامه كمنبر، للتشهير بالدولة العبرية؛ فقط لا غير. أما مكافحة العنصرية، فهو الغطاء ليس إلاّ. عذر أقبح من ذنب. بذلت الأمم المتحدة جهوداً كبيرة، للتأكيد على صدقية الهدف المنشود من هذا الحشد الدولي.
أصرّ الغرب على وجوب صياغة بيان ختامي مسبق للمؤتمر، يخلو من الحديث عن إسرائيل والعنصرية. في آخر المطاف، جرى حذف مثل هذه الإشارة من الوثيقة الختامية. كما بقيت في هذه الأخيرة فقرة حول ذكرى المحرقة؛ لإرضاء إسرائيل وشلّتها. مع ذلك، واصلت العواصم المحتضنة لإسرائيل، تحفظها على فقرة تتعلق بـ «مصير الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال»؛ لأنها وردت في فصل «ضحايا العنصرية»، من البيان الختامي. وخلف هذه المزاعم، قاطع من قاطع وانسحب من انسحب.
بيت القصيد، في القاموس الغربي، أنه من الممنوع نعت إسرائيل بالعنصرية ولو بالغمز. خاصة في مثل هذا الوقت، بعد مجزرة غزة. ولا حتى الإشارة إلى احتلالها. هنا السياسة تتقدم على حقوق الإنسان. إسرائيل كالشاعر، يجوز لها ما لا يجوز لغيرها. ولإرضائها، يهون كل شيء، من تقويض جهود الأمم المتحدة في مكافحة العنصرية، إلى تجاهل ضحايا العنصرية. لكن التشدّق بحقوق الإنسان لا يستقيم مع التستير على نحرها؛ فقط لأن الناحر هو إسرائيل. في هذه الحال لن يكون الأمر سوى عنصرية تغطّي وتحمي عنصرية
