ليس مصادفة أن يأتي الإعلان عن تخفيض الحكم على الصحفي منتظر الزيدي، ضارب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بالحذاء، مع أول زيارة يقوم بها الرئيس الجديد باراك اوباما إلى العراق، بعد توليه رئاسة الولايات المتحدة، والتي سبقتها تصريحات غير متشنجة، على عكس تلك التي كان يطلقها سلفه.
ورأى المراقبون السياسيون، أن المواقف المعلنة لأوباما، شجعت محكمة التمييز على النطق بـ «إعلان سياسي»، خالف الرأي الذي كان رئيس الوزراء نوري المالكي قد أعلنه، والذي اعتبر فيه الحكم الأول على الزيدي بالسجن 3 سنوات «خفيفاً»، وانه كان محظوظا في الحصول على هكذا حكم.
وجاء قرار تخفيض الحكم على الزيدي من ثلاث سنوات إلى الحبس البسيط لمدة سنة، بمثابة إدانة للاحتلال، ما دفع جهات عدة للمطالبة بإلغاء الحكم نهائيا، بموجب المبررات التي قدمتها المحكمة، والتي جاء فيها: «إن عقوبة الثلاث سنوات شديدة ولا تتناسب مع ظروف ارتكاب الفعل، والحالة النفسية التي كان يعيشها منتظر الزيدي، نتيجة الظروف التي مرت بالعراق وهو تحت الاحتلال».
وكانت محكمة الجنايات المركزية حكمت على الزيدي في 12 مارس الماضي بالسجن لمدة ثلاث سنوات، لرشقه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بحذائه خلال زيارته للعراق في 14 ديسمبر الماضي، وعقده مؤتمراً صحفياً مشتركاً مع رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي مدّ يده أمام وجه بوش، محاولا صد فردة الحذاء الثانية عنه.
ملابسات القضية
وعندما قام الزيدي، بمبادرته، التي وجدت استحسانا واسعا في العراق وخارجه، وخاصة في الولايات المتحدة، انبرت بعض الجهات السياسية، ومعها أجهزة الإعلام المحلية، وهي في الغالب ممولة من جهات أجنبية أو حكومية، إلى تصوير الزيدي كإرهابي، وانه التقى قبل يوم مع احد قادة تنظيم القاعدة في العراق، كما سبق ان عمل مع الجماعات المسلحة، بدليل اعتقاله قبل شهور من قبل «جهة مجهولة»، وما إلى ذلك من فبركات، سرعان ما انكشف زيفها، عندما تم التعريف بشخصية منتظر، كشيوعي من «الخط الجيفاري».
وانه بعيد كل البعد عما نسب إليه، وعلى هذا الأساس تغير منطق منتقدي، أو بالأحرى «مهاجمي» الزيدي، الذين عابوا عليه الاعتداء على رئيس دولة، ضيف، في العراق، ومن ذلك تصريح ياسين مجيد المستشار الصحفي لرئيس الحكومة نوري المالكي إن «الزيدي حاليا رهن الاعتقال، وسيتم تسليمه للقضاء العراقي لمحاسبته وفق القانون»، مضيفا أن «مراسل قناة البغدادية قام بالاعتداء على شخصية رسمية ضيفة على الحكومة العراقية، وهذا الأمر يحاسب عليه القانون العراقي».
وكانت هذه التهجمات على الزيدي، أهم نقطة استند عليها الدفاع، لإثبات براءة الزيدي، بمقابل همجية أفراد حماية رئيس الوزراء نوري المالكي، الذين أشبعوه ضربا وركلا، في قاعة المؤتمر، وأمام شاشات التلفزيون.
ثلاث مراحل
ومرت مجريات المحاكمة بثلاث مراحل، من الاعتداء، إلى الإهانة، إلى الحق المشروع. ففي البداية، أصرت الحكومة، ممثلة بالادعاء العام، على محاكمة الزيدي بتهمة الاعتداء على رئيس دولة زائر إلى العراق، التي يصل الحكم بموجبها إلى السجن لمدة 15 سنة، بينما طالب فريق الدفاع الذي ترأسه نقيب المحامين ضياء السعدي، الذي الغي «اجتثاثه»، ان تكون المحاكمة بتهمة الإهانة، وليس الاعتداء، ما يعني ان لا تزيد العقوبة على 3 سنوات، وهو ما رفضته «محكمة التمييز».
إلا أن الضغوط التي مارستها الجهات السياسية والإعلامية الموالية للاحتلال، واستمرار حملتها لإدانة الصحفي الذي اعتدى على «محرر العراق»، الرئيس الضيف، فتحت ثغرة كبيرة استغلتها هيئة الدفاع، وهي أن «المحرر»، هو «الغازي المحتل»، وان زيارته إلى العراق لم تكن رسمية، ولم يأت إلى البلاد بدعوة من أية جهة رسمية أو غير رسمية، ما ينزع الاتهامات كليا عن الزيدي. وطلبت هيئة الدفاع من المحكمة مخاطبة رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، والاستفسار عن طبيعة وسبب مجيء بوش إلى العراق، وتزويدها بأي كتاب رسمي يثبت توجيه دعوة إلى بوش ولأي غرض، كما هو مألوف في الزيارات الرسمية عالميا.
المحتل ليس ضيفا
وحسب هيئة الدفاع، إن زيارة أي رئيس دولة إلى دولة أخرى، لابد أن تكون لها أوليات رسمية موثقة، كتوجيه الدعوة الرسمية، والمحاور التي يتناولها خلال زيارته للدولة المضيفة، وقد جاء طلب هيئة الدفاع هذا لتأكدها من عدم وجود وثائق تثبت الطبيعة «الرسمية» لزيارة بوش إلى العراق، وانه جاء «ليس ضيفا»، وإنما كرئيس دولة محتلة، ما يعطي الحق لمواطني الدولة الخاضعة للاحتلال، بالاحتجاج والتصرف بالشكل الذي يرونه مناسبا، والذي تقره المواثيق الدولية. وبالطبع لم تجرؤ أية جهة عن الإجابة بان «صاحب الدار لا يحتاج إلى دعوة!».
بغداد ـ عراق احمد
