ذائعة هي تلك المقولة التي سبق إلى طرحها البروفيسور «جوزيف ناي» أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد وانطوت على أن لكل دولة ـ وبالأدق لكل كيان سياسي ـ اثنين من عوامل القوة وهما:

ـ القوة الخشنة: ويقصد بها قوى السلاح وإمكانات الاقتصاد.

ـ القوى الناعمة: ويقصد بها قوى الثقافة والفكر والإبداع.

ـ القوى الخشنة يمكن أن تسيطر الدول مستخدمة في ذلك المدفع والمال والدبابة.. وتلك أساليب قد تصلح للسيطرة والإخضاع لكنها لا تدوم.. وما عليك سوى أن تتأمل مصائر دول وكيانات كبرى وإمبراطوريات باذخة ما زال التاريخ يحفظ أسماءها.. ما بين إمبراطورية الرومان في الزمن القديم إلى إمبراطورية الإنجليز في العصر الحديث.

لكن باستخدام القوى الناعمة تستطيع الدول أن تؤثر بعمق وأن تضطلع بأدوار نافذة ومتواصلة في شؤون عالمها.

القوى الناعمة

مقولة «القوى الناعمة» ومدى تأثير نموذجها على شعوب العالم.. تجسد حكاية أمريكا ودورها بالنسبة لعصرنا.. وخاصة منذ مشاركة واشنطن في التصدي للمد العنصري النازي خلال أحداث الحرب العالمية الثانية وعلى امتداد العقود الأخيرة من القرن العشرين.

والحق أن العالم لم يحتفل بدور أميركا بوصفها صاحبة ترسانة عسكرية عاتية.. ولكن اهتم العالم بأميركا لأنها قدمت للدنيا سلسلة من الاختراعات التي غيرت وجه الحياة فوق كوكب الأرض.. وبمعنى آخر لأنها كانت في جانبها الإيجابي نموذجا لحكاية «القوة الناعمة» التي ألمحنا إليها..

هذه القوة التي جعلتها تختم القرن التاسع عشر باكتشاف الكهرباء (إديسون) وتستهل القرن العشرين باختراع الطائرة (الأخوان رايت) وتقدم إلى العالم مع عقد العشرينات إرسال الراديو (الأخوان سلتوف) ثم إرسال التلفزيون (بيرد).. وصولا إلى إرسال الفضائيات وإبداع الحاسوب الإلكتروني وسبل التواصل الشبكي على الإنترنت (بيل جيتس). من هنا ينشغل العالم بالشأن الأمريكي، لا لأن أميركا استعرضت أمام البشرية قوة عسكرية جبارة، فكل قوة جبارة لها لحظات هزيمتها، ولا حتى لأنها تميزت باقتصاد عات ومتضخم الاتساع إلى حد رهيب.. فكل اقتصاد له مواسم الازدهار بقدر ما تصيبه نوازل الاضمحلال ـ ولكن لأن أميركا توصلت إلى إنجازات أفضت إلى متغيرات جذرية شتى في دنيا البشر.

الوجه الآخر للعملة

بيد أن هذا الوجه ـ الإيجابي كما قد نصفه ـ من العملة له بالطبع الوجه السلبي المقابل وهو وجه بالغ الخطورة في لحظتنا الراهنة؛ فبقدر ما أفاد العالم من إيجابية نموذج الإبداع الأميركاني ـ بقدر ما عانى العالم، وما برح يكابد، منذ خريف عام 2008 من تصدع النظام المالي والأميركي ممثلا فيما أصاب المصارف والبورصات وبيوت الاستثمار وساحات المضاربات والعقارات من صدمات أوصلت بعضها إلى حافة الانهيار وأودت به إلى هاوية الإفلاس.

وقديما كانوا يقولون عن كيان الدولة العثمانية أن السلطان التركي إذ كان يسعل في قصر يلدز على ضفاف البوسفور كان يجد من يردد مقولة «يرحمكم الله» في أنحاء شتى من إمبراطورية الترك.. وما حولها ما بين مشارف فيينا في أوروبا إلى التخوم المغاربية على ضفاف الأطلسي.

بنفس المقياس.. قادت الدولة الأميركية ظاهرة العولمة التي كادت تربط بين أجزاء العالم المعمور. لكن أباطرة وول ستريت في بورصة نيويورك لم يكتفوا بالسعال.. بل أصابتهم حمى الطمع وجشع المضاربات مما أورد مؤسساتهم المالية والاقتصادية موارد الهلاك.. فكان أن انتقلت الحمّى إلى باقي أنحاء الأرض، لا يستثني من عدواها أقطار أوروبا ولا أمريكا اللاتينية ولا الشرق الأسيوي البعيد. في ضوء هذا كله.. يأتي اهتمامنا ـ من منظور الرصد والتحليل الفكري لأحدث دراسة حاولت التوصل إلى تشخيص موضوعي لما جرى في أمريكا مشفوعا بمقترحات يمكن أن تفضي إلى علاج.

لماذا هذه الدراسة؟

ولقد استرعت الدراسة اهتمامنا ـ لأن كاتبها ليس من تكنوقراط الاقتصاد ولا من كهنة السياسة ولكنه .. روائي مثقف توافرت لديه إمكانات الرصد والفرز لما جرى.. مستعينا في ذلك برؤية شاملة ونظر موسوعي وحاسة ناقدة فارزة لا تتاح سوي لكاتب أديب.

ولم يكن صدفة أن ينشر الكاتب الأديب ـ «كيرت أندرسون» دراسته هذه تحت عنوان موجز وبليغ أيضا وكأنه يخاطب بني قومه في أميركا بأسرها، وهو: «نهاية الإسراف»

تلك دعوة أشبه بدعاوى التطهير والاعتراف والإقرار بالذنب على نحو ما تقضي به العقائد والرسالات ـ اعتراف بأن الأمريكان ظلوا في حال من بسط اليد كل البسط.. سادرين في سلوك المبذرين وهم بداهة إخوان الشياطين.. دون أن يفهموا أن السلوك الأقوم هو الذي تصدق عليه قاعدة «وكان بين ذلك قواما» وأن الخالق ـ جل وعلا ـ أبدع هذا العالم ليقوم الناس بالقسط وتسود بينهم قاعدة الاعتدال.

دراسة الأستاذ كيرت أندرسون منشورة ـ بوصفها الملف أو المحور الرئيس في آخر أعداد مجلة «تايم» (أبريل 2009)، وفيها يعترف الكاتب الأميركي بأن الناس في بلاده كانوا أقرب إلى قوم يسيرون نياما.. أو يتحركون ويتصرفون كأنهم سكارى مأخوذين بأجواء الرغد والوفرة والكثرة وأفعل ومبالغات التفضيل في كل شيء: ما بين الأضخم والأكبر والأعتى والأقوى والأغنى دون أن يدركوا أن لكل شيء نهاية وحدودا.. حتى أصبح البطل عندهم هو نموذج المُضارب الشاطر الفالح الناجح في البورصات بعد أن تحولت البنوك وشركات التأمين إلى شيء أقرب إلى صالات المقامرة وليس إلى مؤسسات لتنمية الأموال واستثمار الأصول. وفي هذا يقول كيرت اندرسون على طريقة الروائي:

«أيها السادة آن الأوان لأن نفتح عيوننا ونعي ما حولنا.. أن نعود من «أُوز» إلى كانساس (يقصد من تلافيف السحر الأسطورية الحافلة بالأوهام إلى أرض الواقع الحقيقي بكل أبعاده الموضوعية) ولقد نزيد على ما ذهب إليه صاحب الدراسة لنقول إن مشكلة أميركا أنها شدت العالم إلى حيث يسود التصور بأن مؤسسات التمويل لم تصبح جزءا من حتى من وول ستريت ولا من مواقع الإنتاج.. في مانشستر أو سياتل .. لقد حولوها إلى ما يكاد يكون «لاس فيغاس» كبرى.. بمعنى كازينو قمار عولمي يلعبون فيه بمليارات الدولارات ويغامرون بلقمة عيش شعوب بأكملها وبمصائرها أيضا.

ظاهرة البدانة

كل هذا السرف في السلوك وفي الاستهلاك إلى حيث آفة الامتلاك انعكس حتى في أجسام الأميركان أنفسهم حيث تدل الإحصاءات على أن نسبة المصابين بالبدانة المفرطة من أفراد الشعب الأمريكي تضاعفت من 15 في المائة في آخر السبعينات لتصبح 30 في المائة وأكثر حسب أحدث الإحصاءات.

ومرة أخرى يقول الكاتب الأميركي: «عندنا يومان كنا نحتفل بهما كل عام .. الأول هو عيد الميلاد (الكريسماس) والثاني هو كرنفال «ماردي جراس» في ولايات الجنوب. وفي كل من اليومين كان الناس يسرفون في الصخب وفي المآكل والشراب وفي البيع والشراء وفي الهدايا وبهرجة الاحتفال. لكن مشكلتنا أن حوّلنا أيام السنة (الأمريكية) كلها إلى «كريسماس» و «ماردي جراس».

فلم يعد في البيت تليفزيون واحد بل ثلاثة إلى خمسة أجهزة تلفاز.. ولم تعد العائلة لتكتفي بسيارة واحدة كما كان الحال في الماضي بل هي ثلاث أو أربع سيارات.. وخلال تلك البلهنية في الاستهلاك ـ وقد امتدت نحوا من جيل (هي السنوات الثلاثون الأخيرة من القرن الماضي إلى خريف عام 2008)، زادت مساحة المنزل العادي للأميركاني العادي مرة ونصفا.. بغير مبرر معقول على الإطلاق.

كانوا يطلقون على هذه المسلكية، من الإسراف اللا مبالي مصطلحا ألمانيا شهيرا في حوليات السياسة والفلسفة: « زايت جيست» ومعناها روح العصر. والمشكلة أن روح العصر كما فهموها وطبقوها كانت هي نزعة الانفلات في المضاربات والتحول من الإنتاج والإبداع والاختراع إلى مجرد الاتجار في الأسهم والسندات ثم في مشتقات الأسهم والسندات.

المقامرة: روح العصر

هكذا كانت روح العصر هي.. المقامرة. ولا يمثل هذا القول مجرد وصف مرسل أو عبارة تمليها مقتضيات البلاغة.

لقد ترجمها الأميركان حرفيا من خلال التوسع الذي حدث مثلا في كازينات ـ ساحات القمار. ومرة أخرى تقول الدراسة:

ـ حتى آخر عقد الثمانينات كانت ألعاب وكازينات القمار في أميركا كلها تقتصر على موقعين بغير ثالث وهما: لاس فيجاس في ولاية نيفادا و أتلانتيك سيتي في ولاية نيوجيرسي.

الآن ـ يوجد ساحات ومدن كاملة للقمار في 12 ولاية بينما أصبحت المراهنات ـ بالقمار أيضا، مشروعة بحكم القانون في 48 ولاية.. والمجموع يكاد يجعل من الولايات المتحدة بأسرها ساحة «قومية» لا للإنتاج أو الاختراع أو التطوير بل للقمار.

أخيرا نطالع نصائح ثلاثا يحاول بها الكاتب الروائي أن يرسم أمام قومه سبيلا للخلاص.. أو هي العودة إلى سلوك القصد والوسطية والاعتدال بغير تفريط أو إفراط:

ـ الاعتراف أولا بالخطأ: بأن مشكلة أميركا تتمثل في الإفراط إلى حد الإدمان في المضاربات (بمعنى الحصول على المال السهل والمورد الميسور والربح بغير عناء) يستوي في ذلك الوقود الرخيص والحياة الرغدة والإنفاق بغير تدبر لما يأتي به الغد.

ـ الإيمان بأن القوم يستطيعون، منفردين ومجتمعين، أن يعيدوا أنفسهم، بالوعي والمشقة إلى جادة التعقل وطريق الرشد والصواب.

ـ شريطة أن يعكفوا على إعداد قائمة جْرد أخلاقية موضوعية وسلوكية تكفل قدرا من التوازن الرشيد بين نوازع الاستهلاك ومحدودية الموارد.

المهم أن يبدأوا... حتى ينعم العالم بقدر من هدوء البال.

محمد الخولي