في مثل هذا اليوم من عام 1982 رفع الرئيس المصري حسني مبارك علم مصر على مدينة رفح بشمال سيناء وشرم الشيخ بجنوب سيناء، ليستكمل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء بعد احتلال 15 عاما، وإعلان هذا اليوم عيد تحرير سيناء. ولم يبق بعد هذا التاريخ سوى طابا، تلك المشكلة التي أوجدتها إسرائيل في آخر أيام انسحابها من سيناء، وقد استغرقت المعركة الدبلوماسية لتحرير طابا 7سنوات من الجهد الدبلوماسي المكثف.

المراقبون وصفوا مشهد رفع العلم المصري على مدينة رفح، بأنه المشهد الأخير في سلسة طويلة من الصراع المصري ـ الإسرائيلي انتهى باستعادة الأراضي المصرية كاملة بعد انتصار المصريين في حرب أكتوبر 73.

المشوار السلمي لاسترداد سيناء، بدأ بمبادرة الرئيس الراحل أنور السادات بزيارة القدس في نوفمبر 1977.

وبعد أقل من عشرة أشهر وبالتحديد في 5 سبتمبر 1978 وافقت مصر وإسرائيل على الاقتراح الأميركي بعقد مؤتمر ثلاثي في كامب ديفيد. وتم التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد في البيت الأبيض يوم 18 سبتمبر 1978. ثم وقعت مصر وإسرائيل في 26 مارس 1979 معاهدة السلام. والمعاهدة ترتب عليها انسحاب إسرائيل من سيناء، وعودة السيادة المصرية إليها وتحدد جدول زمني للانسحاب من سيناء على النحو التالي:

- في 26 مايو 1979 رفع العلم المصري على مدينة العريش وانسحاب من خط العريش- رأس محمد.

وفي 26 يوليو 1979: المرحلة الثانية للانسحاب من مساحة 6 آلاف كم مربع من أبو زنيبة حتى أبو خربة. وفي 19 نوفمبر 1979: تم تسليم وثيقة تولي محافظة جنوب سيناء سلطاتها من القوات المسلحة المصرية بعد أداء واجبها .وفي19 نوفمبر 1979 الانسحاب من منطقة سانت كاترين ووادي الطور. - وأخيرا في 25 ابريل 1982، الانسحاب من رفح شمالا وشرم الشيخ جنوبا.

شبه جزيرة سيناء.. تلك الأرض تحظى بمكانة متميزة في قلب كل مصري. هي الموقع الاستراتيجي المهم والمفتاح لموقع مصر العبقري في قلب العالم بقاراته وحضاراته. وهي محور الاتصال بين آسيا وأفريقيا.. بين مصر والشام.. وبين المشرق العربي والمغرب العربي. بمقوماتها الطبيعية ومواردها الزراعية والصناعية والتعدينية والسياحية.. هي ركن من أركان استراتيجية مصر الطموحة للخروج من وادي النيل الضيق.

تقع سيناء في الجزء الشمالي الشرقي من أرض مصر. وتبلغ مساحتها نحو 61 ألف كيلو متر مربع أي حوالي 6 % من مساحة مصر. وتقع بين ثلاثة مياه: البحر المتوسط في الشمال ( بطول 120 كيلو متراً ) وقناة السويس في الغرب (160 كيلو متراً) وخليج السويس من الجنوب الغربي (240 كيلو متراً) ثم خليج العقبة من الجنوب الشرقي والشرق بطول (150 كيلو متراً). من هنا تملك سيناء وحدها نحو 30 % من سواحل مصر.

وأثبتت الدلائل العلمية والتاريخية أن الإنسان المصري قد عاش في سيناء وقام بتعمير مناطق عديدة من أرضها منذ العصر الباليوليتي أي منذ نحو 100 ألف سنة.. كما كانت سيناء طريقاً للهجرة بين آسيا وأفريقيا. وعثر على أدوات من ذلك العصر عند الروافعة وأبو عقيلة والعريش والحسنة تشبه ما عثر عليه منها عند وادي النيل. الأمر الذي يؤكد أن سيناء كانت معمورة منذ ذلك العصر.. وأن حضارتها كانت جزءاً من حضارة وادي النيل.

وفي العصر الحديث، أبرزت الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 الأهمية الاستراتيجية المضاعفة لسيناء. ففي العام التالي لحملته على مصر وجه نابليون بونابرت حملة إلى الشام عبر الطريق الحربي شمالي سيناء ولكن القوات العثمانية كانت قد سبقت لملاقاته واستولت بقيادة أحمد باشا الجزار والى عكا على قلعة العريش والتمركز فيها. وهكذا دارت على أرض سيناء معركة كبرى. وتحولت سيناء من أرض مرور الجيوش إلى ساحة معارك. وقد واجهت القوات الفرنسية مقاومة عنيفة من بدو سيناء ومن أهل مدينة العريش.. ثم من القوات العثمانية في القلعة.

وبعد حصار لنحو عشرة أيام.. أمكنهم الاستيلاء على العريش واعتبر الفرنسيون ذلك نصراً هائلاً زفوه إلى قوات الحملة في مصر وأعلنوه في الأزهر. وواصلت الحملة طريقها إلى الشام ولكنها فشلت في فتح عكا خاصة بعد أن أرهقت في حروبها طوال الطريق. وقد احتلت سيناء أهمية كبيرة في فكر محمد علي خاصة إزاء اهتمامه بالوصول إلى منطقة الشام لتأمين حدود مصر الشرقية.. وهو الأمر الذي اعتبره محمد علي أحد أهم أركان الأمن القومي المصري.

آخر الحروب على أرض سيناء حرب يونيو 67، وكانت هناك حرب الاستنزاف (1967 - 1970) ثم بحرب أكتوبر المجيدة عام 1973 والتي استعادت جزءاً من تراب سيناء ومهدت الطريق لاستعادتها عام 1982 من خلال معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.

حسن صابر