شهدت الآونة الأخيرة تحركات تركية نشطة باتجاه العودة إلى المنطقة العربية، بعد انعزال عن قضاياها منذ سقوط الخلافة الإسلامية، فحينها ولت تركيا وجهها من الشرق إلى الغرب، وارتدت ثوب العلمانية متخلية عن اعتبار الإسلام دينا رسميا للدولة. كما هجرت الحرف العربي إلى اللاتيني.
العودة التركية الحالية يراها بعض المراقبين خيار حزب وليس خيار دولة، فهي ترتبط بتوجهات حزب العدالة والتنمية الذي يدير دفته كل من عبد الله غول ورجب طيب أردوغان، فالاثنان من تلاميذ الزعيم نجم الدين أربكان داعية الإسلام السياسي في تركيا، الذي كرس نضاله لأجل عودة تركيا إلى جذورها العثمانية الإسلامية. ويعد الرئيس التركي عبد الله غول أحد الآباء المؤسسين لحزب العدالة والتنمية، ومن أهم رموزه الداعية للانفتاح على العالم العربي، فقد ناضل من أجل ذلك منذ سنواته الأولى.
ولد غول في أكتوبر 1950 بمحافظة قيصري، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة غازي باشا، وأتم المرحلة الثانوية بمدرسة الأئمة والخطباء. وحصل على شهادته الجامعية في الاقتصاد في جامعة اسطنبول، ومنها حصل على شهادة الماجستير، ثم غادر إلى جامعة لندن وحصل منها على درجة الدكتوراة عن موضوع ( العلاقات الاقتصادية بين تركيا والعالم الإسلامي). وهكذا تكشف تطوراته الحياتية ارتباطه الشديد بالإسلام دراسة وعلما وعملا وهوية، وتكشف استعداده للنضال دفاعا عنه ودفع الثمن من أجله.
ففي العام 1980 تم القبض عليه، بتهمة انتمائه الإسلامي، بواسطة الانقلابيين الذين قادهم الجنرال كنعان ايفرين، ليقضي شهر العسل داخل السجن، فقد باغته الانقلابيون فور زواجه من السيدة خير النساء التي تماثله قوة في تمسكها بالهوية الإسلامية، وقدرة على النضال من أجلها، فقد اشتهر عنها تمسكها بارتداء الحجاب، وكانت أول تركية ترفع دعوي قضائية أمام المحكمة الاوروبية دفاعا عن حقها وحق التركيات في ارتدائه.
ومثلما يعد عبد الله غول أول رئيس تركي غير علماني، فقد كانت زوجته أول امرأة تركية تدخل قصر الرئاسة بحجابها الإسلامي. يجيد عبد الله غول العربية، فقد حرص على تعلمها تطبيقا لقناعاته في التوجه نحو الشرق العربي بمعايشة حقيقية، ولذا اختار العمل في بنك التنمية الإسلامي بجدة خبيرا اقتصاديا في الفترة من عام 1983 إلى عام 1991. بعد عودته إلى تركيا انتخب عضوا في البرلمان عن حزب الرفاه عام 1991، ثم اختير مسؤولا للعلاقات الدولية بالحزب، ثم عضوا في لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان.
وفي العام 2000 ترشح لرئاسة حزب الفضيلة ضد رجائي قوطان، وكانت هذه التجربة هي المحفزة له مع أردوغان لتأسيس حزب العدالة والتنمية، بعد رفض قادة الحركة الإسلامية ممثلة في أربكان وقوطان الأخذ بنصائح الجيل الجديد من الإسلاميين الرافضين للاصطدام مع الدولة، والداعين للاستفادة من أدوات العلمانية في اعادة تركيا إلى هويتها الإسلامية.
في نوفمبر 2002 فاز حزب العدالة بالأغلبية البرلمانية، وشكل الوزارة برئاسة غول الذي شغل المنصب لحين رفع الحظر السياسي المفروض على رفيق دربه أردوغان. وهذا ماحدث بعد أربعة أشهر، فتنازل له عن رئاستة الحكومة ليشغل منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وهو المنصب الذي استمر فيه حتى اختياره رئيسا للجمهورية
. واستلزم الوصول للقصر الرئاسي معركة سياسية كبرى من جانب العدالة والتنمية، إذ اضطر الحزب أمام ضغوط المعارضة إلى اجراء انتخابات برلمانية مبكرة فاز فيها بالأغلبية، مما مكنه من اختيار غول رئيسا للبلاد. وبحكمته استطاع غول أن يكسب ثقة الجميع، وأن يكون عنوانا إسلاميا عصريا لتركيا. وإذا كان مصطفى كمال الملقب بـ (أتاتورك) أي (أبو الأتراك) هو من قطع علاقة الدولة التركية بالإسلام، فان غول هو من يستحق اليوم هذا اللقب لدوره في إعادة تركيا إلى أصلها الإسلامي.
أحمد الكناني
