في ظل سياسة أميركية «مختلفة» يسعى الرئيس الأميركي باراك أوباما للترويج لها، باعتبارها تمثل منعطفا جديدا في تعاطي بلاده مع العالم، وبشكل خاص تجاه العالم الإسلامي والذي رفع المصالحة كشعار يحكم علاقات الطرفين خلال المرحلة المقبلة، تبرز العلاقات مع إيران كإحدى القضايا المحورية التي تمثل اختبارا جديا لحقيقة التغيير في السياسة الأميركية.
والأسئلة التي تطرح نفسها في هذا الصدد عديدة ويأتي على رأسها إلى أي مدى يمكن لإدارة أوباما تحقيق اختراق على صعيد هذا الملف؟ وما هي الأسس التي تعد مقبولة لها من أجل التوصل إلى تسوية مع طهران بشأن كافة القضايا العالقة بينهما وعلى رأسها الملف النووي؟ وما هو رد الفعل الإيراني، على هذا التوجه الأميركي الذي يبدو مغايرا لنهج إدارة بوش؟ وما هي حدود استجابة طهران للأطروحات الأميركية؟ ومن ناحية أخرى ما هي حدود حضور وفاعلية الدور الإسرائيلي في عرقلة أو تيسير التوصل إلى تسوية بخصوص هذا الملف؟
هذه محاولة لإطلالة من قريب لقراءة مواقف الطرفين الرئيسيين في الملف واستشراف ما يمكن أن تسفر عنه المساعي الأميركية لإغلاقه؟
الموقف الأميركي وتحولاته
لا يمكن إنكار أن السياسة الأميركية فيما بعد إدارة أوباما تعبر عن توجه بالغ الاختلاف عن إدارة سابقتها بشأن الملف الإيراني وإن كانت على عكس ملفات أخرى لا تمثل قطيعة مع ما يمكن وصفه بإرث بوش. ويمكن رصد ملامح هذا التغير على صعيد عدد من المواقف:
1 ـ مبادرة الرئيس الأميركي الجديد إلى إعلان أن أيدي بلاده ممدودة لإيران إذا ما أرخت هذه الأخيرة قبضتها. وقد توج أوباما موقفه بما اعتبر غزلا لطهران حين راح يثني على حضارة إيران العظيمة.
2- تأكيد سوزان رايس المندوبة الأميركية الجديدة لدى الأمم المتحدة مع تولي أوباما الحكم على سعي واشنطن لمحادثات مباشرة مع طهران بشأن برنامجها النووي الأمر الذي كانت ترفضه وتتحفظ إدارة بوش بشأنه.
3- التحول المحدود بشأن الخيار العسكري والذي تمثل في تحذير وزير الدفاع الأميركي إسرائيل بلغة واضحة من الإقدام على مهاجمة إيران باعتبار أن ذلك سيكون له عواقب خطيرة.
4- الإعلان عن الاستعداد للتخلي عن شرط وقف التخصيب كأساس لبدء الحوار مع طهران.
لقد أدت هذه المتغيرات بالبعض إلى الحديث عما جرى وصفه بشغف أميركي لأي فرصة للحوار مع طهران حول مختلف القضايا محل الخلاف بينهما. غير أنه رغم ما يبدو من مراجعة للسياسة الأميركية تجاه طهران، إلا أن واشنطن لم تحسم خيارها بشأن الانفتاح الكامل على طهران، على نحو يشي بتفضيلها خيار الحذر بشكل أدى إلى حضور بعض توجهات إدارة بوش في سياستها تجاه طهران. وهو ما يمكن استنتاجه من بعض المواقف الأميركية ومنها:
1- تأكيد اوباما ـ رغم عبارات الغزل ـ على أن البرنامج النووي الإيراني يشكل التحدي الأعظم أمام قادة القرن الحادي والعشرين.
2- ويأتي في الإطار ذاته مواصلة العقوبات الأميركية المفروضة على طهران.
2- تصريح هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية الذي راحت خلاله تشير إلى أن كل الخيارات مطروحة في التعامل مع الملف الإيراني، وهو التوجه الذي عززه جيتس نفسه حين أن أشار إلى أن الخيار العسكري يجب أن يبقى على الطاولة.
لقد أدى هذا النمط من التعامل الأميركي إلى الاستنتاج أن واشنطن تتعامل مع طهران بمنطق العصا والجزرة، الأمر الذي لا يمثل اختلافا كبيرا عن نهج إدارة بوش خاصة في أيامها الأخيرة في الحكم، ما يشير إلى أن هدف تطويع إيران بالكامل على خلفية طموحها النووي هدف ثابت في السياسة الأميركية بغض النظر عن الإدارة الحاكمة.
الموقف الإيراني وثوابته
رغم ما بدا من تغير في لغة الخطاب الأميركي تجاه طهران، إلا أن إيران ظلت على موقفها الثابت وإن تواءمت في الوقت ذاته مع التحول الحاصل في اللغة الأميركية في محاولة لتجنب أي تأثيرات سلبية لهذه اللغة على الجبهة الداخلية لجهة حصول انقسامات بشأن التعاطي معها. وتتمثل ثوابت هذا الموقف في:
1- مواصلة البرنامج النووي الذي تصر على طبيعته السلمية باعتبار ذلك أحد حقوقها السيادية.
2- التأكيد على أن المواقف الأميركية يجب أن تتجاوز ما تصفه القيادة الإيرانية بالأقوال إلى الأفعال. وهو ما أكد عليه كل من رأس النظام خامنئي والرئيس نجاد. وفي ذلك الصدد فقد راح الأول يعتبر عروض أوباما مجرد شعارات لا معنى لها ما لم تصاحبها أفعال أميركية بشكل ملموس. وهو التوجه الذي أكد عليه نجاد بالإشارة إلى أن بلاده تنتظر من واشنطن عملية تغيير ملموسة، ما كشف عن تناغم في اللهجة ما بين المرشد الأعلى للثورة الإيرانية والرئيس.
3- عدم إغلاق الباب أمام أي مساع أميركية للحوار وهو ما يبدو من تأكيد طهران على استعدادها للاستجابة لأي تحول حقيقي من قبل واشنطن. وقد توجت طهران ذلك بإعلان نجاد استعداد بلاده تقديم مقترحات للدول الست الكبرى التي تضم ألمانيا إلى جانب الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن بهدف التوصل لتسوية الملف النووي الإيراني.
والسؤال إلى أين يمضى ما وصفته مجلة «تايم» الأميركية بصراع إرادات مستمر بين الطرفين الأميركي والإيراني؟
يتوقف ذلك على طبيعة الأوراق التفاوضية التي يملكها كل طرف في مواجهة الآخر، وفي هذا الصدد ترجح كفة طهران على النحو الذي يتطلب إستراتيجية تعامل أميركية بالغة الجدة عن تلك التي اتبعتها إدارة بوش إذا ما رغبت واشنطن في إثناء إيران عما تؤكد أنه سعي لامتلاك برنامج نووي عسكري وليس سلمي، وهو ما يبدو على صعيد:
ا ـ فشل العقوبات الاقتصادية في الإبطاء من جهود التخصيب التي تقوم بها إيران
ب ـ حاجة الولايات المتحدة إلى التعاون الإيراني في عدد من الملفات بالمنطقة وعلى رأسها الوضع في أفغانستان، في ضوء ما تشير إليه تقارير من أن الوضع في العراق قد تم تسويته. وقد أشار إلى ذلك بشكل واضح قائد القوات الأميركية المشتركة على أفغانستان الأدميرال مايكل مولين معربا عن اعتقاده بأن السبيل إلى حل قضية أفغانستان قد يكون عبر إيران.
أما على الصعيد الأميركي فإن مجال تحركها للضغط على طهران يتمثل في:
1- الأساليب السلمية: وتتمحور حول تعزيز المقاطعة الاقتصادية وإثارة قضايا حقوق الإنسان ومحاولة عزل إيران في الشرق الأوسط، وهى محاولات مارستها إدارة بوش بشكل أو بآخر ولم تأت بالهدف المرجو منها.
2- الخيار العسكري: ورغم أنه قائم وتشير إليه التقارير التي تتحدث عن خطط جاهزة للهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، فإنه يمثل سيناريو كابوسي ويحد من احتمالات اللجوء إليه التأثيرات بالغة السلبية ليس على وضع إيران فقط وإنما على المصالح الأميركية بشكل عام. وهو ما يعني استبعاده، على الأقل في الوقت الراهن، في ظل التوجهات التي تعمل إدارة أوباما على تكريسها بشأن نهجها التصالحي في التعاطي مع قضايا السياسة الخارجية. وفي ذلك الصدد فقد أقر غيتس مثلا بأن ضرب إيران رغم أنه قد يعطل برنامجها لفترة تصل إلى ثلاث سنوات، إلا أنه سيزيد من تصميمها على حصولها على برنامج نووي، فضلا عما قد يؤدي إليه من زراعة الكراهية للولايات المتحدة في إيران.
حدود الدور الإسرائيلي
قد لا يكون من المبالغة الإشارة إلى أن هذا الدور يعد أحد العوامل التي تساعد على سخونة هذا الملف في ضوء المخاوف البالغة التي تنتاب تل أبيب وتحرص على تضخيمها بشأن امتلاك إيران سلاحا نوويا رغم نفي هذه الأخيرة مرارا لهذه المزاعم. وانطلاقا من هذه الرؤية كذلك، فمن غير المبالغة كذلك التأكيد على أن أي فشل ينتاب مساعي حل الملف الإيراني أميركيا إنما سيعود بشكل أساسي إلى موقف إسرائيل.
يشير ذلك إلى أن واشنطن تخوض صراعها بشأن الملف الإيراني على جبهتين: جبهة طهران ذاتها وجبهة تل أبيب.. من خلال محاولة لجم إيران عن الاندفاع في برنامجها النووي، ولجم إسرائيل عن الاندفاع إلى ضرب المنشآت النووية الإيرانية على نحو قد يتصادم مع الخطط الأميركية وهو الصراع الذي يكشف جانبا منه تصريحات الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز حول هذه القضية والتي راح خلالها يؤكد على أن حل الملف الإيراني لن يكون عسكريا وذلك بعد يومين فقط من حديث إذاعي تحدث فيه عن احتمال لجوء إسرائيل إلى القوى إذا مضت إيران قدما في تخصيب اليورانيوم.
ومع التأكيد على استقلالية القرار الأميركي في شأن السياسة الخارجية، إلا أن هذه الاستقلالية تحيط بها بعض القيود إذا ما تعلق الأمر بإسرائيل في ضوء حقيقة النفوذ الهائل الذي يتمتع به اللوبي الصهيوني في أروقة مؤسسات صنع القرار الأميركي.
احتمالات المستقبل
وعلى ذلك فمن المتوقع أن يراوح الملف الإيراني في الإستراتيجية الأميركية مكانه خلال الشهور المقبلة لعدة أسباب. فمن ناحية قد تحرص واشنطن على حرمان نجاد من أن يجني ثمرة التقارب وتحقيق انفراجة في علاقات بلاده مع واشنطن، الأمر الذي يعزز فرص فوزه في الانتخابات الرئاسية المقبلة في يونيو المقبل.
فضلا عما قد تأمله كذلك، على هذا الصعيد، من احتمال أن تأتي هذه الانتخابات برئيس آخر أكثر اعتدالا من منظورها، مهما كان هذا الاحتمال ضعيفا. وفي الوقت ذاته فإن هذا الموقف الأميركي الذي قد يعبر عن تسويف في تسوية الملف الإيراني قد يلقى ارتياحا من قبل طهران باعتبار ما يتيحه ذلك لها من وقت ـ تراه بمثابة هدنة ـ يمكنها من مواصلة مشروعها.
وإذا كانت طهران لم تغير موقفها القائم على نهج الحوار والطبيعة السلمية لبرنامجها النووي واستعدادها للالتزام بهذا الأمر، فإن الكرة تبدو الآن في الملعب الأميركي حيث يواجه أوباما امتحان التأكيد على أن شعار التغيير لم يكن مجرد شعار انتخابي، وهو ما يعني انتهاج سياسة مختلفة عن سياسة سلفه التي أثبتت فشلها. كما يعني في الوقت ذاته اختبارا لأدوات القوة الناعمة التي يمكن اعتبارها عنوان المرحلة الأميركية الجديدة في ظل حكم أوباما.
ويكتسب هذا الفهم الأميركي الجديد للتعامل مع العالم الخارجي أهمية خاصة بشأن إيران في ضوء الميراث السلبي في علاقات البلدين والذي يعكس تاريخ من العداء وانعدام الثقة بينهما يعود إلى خمسينات القرن الماضي حيث لا يغفر الإيرانيون للولايات المتحدة دورها في الإطاحة بحكومة مصدق وإعادة الشاه رضا بهلوي إلى الحكم. فهل ينجح أوباما؟ سؤال إجابته ليست بالهينة في ضوء تعقد وتشابك عملية صنع القرار الأميركي.
مصطفى عبد الرازق
